من رقابة السلطة إلى سلطة الرقابة

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

الرقابة بمعناها العام، غير المؤسسي، ظهرت مع ظهور الإنسان العاقل Homo sapiens لقد بدأت من الأسرة حيث مراقبة سلوك الأطفال من قبل الأبوين وسلوك الزوجة من قبل الزوج وسلوك الزوج من قبل الزوجة.
فمعنى الرقابة، جوهريا، هو مراقبة «الانحرافات»، والمراقِب يضع نفسه في مكانة مناقبية ومعرفية أعلى من المراقَب. المراقِب هو حارس الموازين والمعايير. هو «المحتسِب». هو الثابت. أما المراقَب فهو المتغير الذي لا ينبغي له أن يتغير، ومع تشكل التجمعات الإنسانية تولدت رقابة على سلوك الفرد بولادة منظومة الأعراف والتقاليد والمعتقدات الدينية، أي جملة المعايير التي ينبغي الالتزام بها، وأصبحت مقاليدها في أيدي السلطات الاجتماعية الناشئة، أي زعماء القبيلة ورجال الدين ووجهاء المجتمع.

مع ظهور الدولة انتقلت مهمة الرقابة والقياس على المعايير المرعية إلى سلطة الدولة. لكن وجود «مؤسسة رقابية» محددة الصلاحيات والمهام بهذا الشأن تأخر وجودها. فأول مؤسسة رقابية مختصة أنشئت في روما سنة 443 ق. م. وكانت مهمة هذا المكتب إحصاء السكان وتصنيفهم وتقييم أفعالهم.أما في أثينا فحتى في أول محاكمة لمفكرمعروفة في التاريخ، وهي محاكمة سقراط في أثينا سنة 399ق.م، التي اتهم فيها بإفساد الشباب من خلال أفكاره وتحريضهم على عدم احترام آلهة المدينة، لم تكن هذه المؤسسة قد وجدت. فـ «لم يكن لدى أثينا لجنة للبحث عن النشاط المعادي» (1: 229)* . لقد كانت محاكمة سقراط بناء على أفكاره وليس على أفعاله (1: 229). والمفارقة في هذه الحادثة أن مدينة اشتهرت بحرية التعبير حاكمت فيلسوفا لم يقم بسوى ممارسة هذا الحق (1: 229). هذا الحق وهذه المدينة التي ترعاه أشاد بهما الكاتب المسرحي المعروف يوربيدس (480-406 ق.م)، معاصر سقراط (469- 399) ومواطن أثينا بقوله:

«الحرية الحقيقية أن يُمَّكن الرجال المولودون أحرارا
من الكلام بحرية في الشؤون العامة.
من يستطيع ذلك ويفعله جدير بالمديح.
من لا يستطيع ولا يفعل يمكنه أن ينعم بالطمأنينة.
أي شيء أكثر عدالة في الدولة من هذا؟».
(http://www.beaconforfreedom.org/liste.html?tid=415&art_id=475)
*
من الناحية الفلسفية يعد أفلاطون أقدم مدافع عن الرقابة وقمع حرية التعبير ومنظر للدولة ذات السلطة الشمولية. أفلاطون، الذي يقال (1: 18، و أيضا 2: 5) أنه كان يعد نفسه لأن يكون شاعرا وكاتبا مسرحيا أدار ظهره لهذا الطموح وتحول إلى الفلسفة والدفاع عن الدولة الممسكة بخناق المواطنين تأثرا بأفكار سقراط الذي لم يكن يحبذ الديموقراطية (1: 25) وعادى الشعراء والفنانين وقال بأنه لا مكان لهم، كشعراء مستقلين عن رقابة الدولة، في دولته المبتغاة. وإشادة بشعرية كتابة أفلاطون يقول الشاعر الإنغليزي المعروف جون ملتون (1608- 1674) "لا شك أنك ستذكر الشعراء المنفيين من دولتك، فأنت أعظمهم قاطبة، فلا بد من رحيلك عنها وإن كنت مؤسسها" (2: 8).

بصدد المؤسسة الرقابية على الشعراء يقرر أفلاطون:
«علينا أن نعين رجالا لا يقل عمر الرجل منهم عن خمسين عاما لكي يفحصوا هذه القصائد وهذه الرقصات ويختاروا منها بعضها. وكل شاعر من الشعراء القدامى بدا في رأيهم صالحا فهو مقبول، وكل من بدا لهم غير صالح على الإطلاق فهو مرفوض رفضا باتا، وكل ما بدا مشوبا أعيدت صياغته بعناية. وسوف نجند لهذا العمل شعراء وموسيقيين وننتفع من كفاياتهم الشعرية، ومع ذلك فلن نعتمد على نزواتهم أو رغباتهم إلا في فترات نادرة» (2: 79-80)
هذه بنية وبعض اختصاصات المؤسسة الرقابية.

أما القانون الذي ينبغي أن يخضع له الشعراء فهو:
«لا يجوز للشاعر أن ينظم شيئا منافيا لقوانين المدينة وأحكامها الخاصة بما هو حسن وخير، ولا يجوز له أن يطلع أحدا من المواطنين على انفراد على شيء مما نظمه قبل أن يعرضه على القضاة وحراس القانون الذين تحددت وظيفتهم بالنظر في مثل هذه الأمور، وقبل أن يبدوا موافقتهم على ما نظم» (2: 78).

ومهمة «المشرع الصالح [أن] يقنع الشاعر بالعمل على النحو الواجب، فإن عجز عن إقناعه أجبره على ذلك» (2: 75).
*
لقد تطورت الرقابة من سلطة الأسرة إلى سلطة الجماعة والمجتمع إلى سلطة الدولة، بعد ذلك، ومع انتشار الديموقراطية وتنامي دور مؤسساتها، أخذت منحنى آخر تمثل في رقابة الشعب، عبر البرلمانات، ومؤسسات المجتمع المدني. لقد تمثل مسار الرقابة من رقابة السلطة، متمثلة في مؤسسات الدولة، إلى سلطة الرقابة متمثلة في مؤسسات الشعب.

المراجع:
* يشير الرقم الأول إلى رقم المرجع في قائمة المراجع، والرقم الثاني إلى رقم الصفحة مصدر الاقتباس.
1- آى. اف. ستون. محاكمة سقراط. ترجمة: نسيم مجلى. المجلس الأعلى للثقافة. 2002
2- د. لويس عوض. نصوص النقد الأدبي، اليونان. الهيئة المصرية العامة للكتاب. 2016

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات