الحوار الليبي المدبلج

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

لماذا يراوح الحوار السياسي الليبي في مكانه؟ بل أن الانقسامات والتناقضات تزداد بعد كل جولة من هذا الحوار تُوهِمنا بالوصول إلى نوع من التوافق؟ لماذا يعود المتحاورون كل مرة بخفي كوبلر اللتين تقطعتا وهو يركض بين هذه الأطراف؟ لماذا يستعصي الوصول إلى حل أو توافق في دولة مثل ليبيا، متجانسة، وتدين تقريبا بمذهب واحد، وتتشكل مدنها الأساسية من كل النسيج الليبي، وتوجد بها ثروة نفطية هائلة تحول دون حدوث أزمة اقتصادية حادة كما في دول الربيع العربي الأخرى؟ هذه المعطيات التي جعلت كل مندوب يكلف من الأمم المتحدة لحل الأزمة الليبية يأتي راكضا بحقيبة صغيرة لأنه موقن بأن حل الخلاف الليبي لا يستلزم وقتاً.

أسئلة كثيرة تراود الليبيين والمتابعين الدوليين والمحليين حول هذا الملف السهل والشائك، المهيأ للحل والمستعصي عن المحاولة. وتذهب الإجابات مذاهب عدة، بعضها يحيل الاستعصاء إلى تدخل القوى الدولية والإقليمية، والبعض يحيلها إلى إغراء الثروة النفطية التي يسيل لها اللعاب فيغيب العقل، والبعض يحيلها إلى أجندة ما يسمى بالإسلام السياسي الذي لا يرضى بنصف الحلول والذي بنى مشروعه على إقصاء الآخر وكل من لا يمت له بصلة، والبعض أحالها إلى وجود الجماعات الإسلامية المتشددة، والبعض إلى هتافنا الشهير: نحنا شعب قديم عناده.

سأحاول أن أقترح إجابة إضافة للسابق ذكرها التي لا يمكن تجاهلها، عبر محاولة لتحليل هذا العنوان الكبير، مفردةً مفردة: (الحوار السياسي الليبي).

أولا: (الحوار) حين يكون سياسيا هو آلية نقاش بين أطراف تمثل رؤى سياسية مختلفة في دولة قائمة وعجلتها تسير، من أجل تقريب وجهات النظر ضمن المشترك الجوهري الذي يجمع في النهاية هذه الأطراف باعتبارها تنتمي لوطن واحد ولمصير واحد ولمستقبل واحد، وهو عادة يأتي برعاية سلطة تحاول الإصلاح السياسي بعد حقبة من الإقصاء والعنف تجاه التيارات التي تسمى عادة بالمعارضة، ولكن ما حدث لدينا أنا تجاوزنا أهم خطوة في طريق الحوار وهي المصالحة الاجتماعية (وليس السياسية) التي من المفترض أن تأتي بعد نهاية حقبة دكتاتورية أو نظام شمولي أرسى نوعا من المشاعر السلبية بين مكونات المجتمع وجهاته وطبقاته، فالحوار بمفهومه السياسي يتم في دولة قائمة بمؤسساتها تحاول الوصول إلى وفاق بين تناقضاتها السياسية المختلفة المتمثلة عادة في السلطة وتيارات المعارضة الفاعلة، وهذا لا ينطبق على ليبيا، لأن النظام بعد سقوطه لم يترك دولة بل مجتمعا على حافة الفوضى.

والمصالحة الاجتماعية تملك خبرة طويلة في المجتمع وكوادر مؤهلة للتقريب بين الأطراف (شرط أن لا تكون الأطراف مؤدلجة، لأن في هذه الحالة يستعصي الحل الاجتماعي والسياسي) وهذه الأدلجة هي ما كانت عقبة أمام النظام الليبي السابق في الوصول إلى أي نوع من المصالحة الوطنية رغم طرحه لها في سنواته الأخيرة. تتمثل الخبرة الطويلة في مواثيق القبائل العرفية وفي شيوخ القبائل وأعيان المدن، والتراث الليبي الاجتماعي مليء بمثل هذه التجارب الناجحة في المصالحة. ما بعد المصالحة الاجتماعية يأتي دور التفاوض السياسي (وليس الحوار) لأن التفاوض عملي جدا ومحدد وهو أنسب الطرق لمحاولة تحقيق مصالح الأطراف المتنازعة، وما سمي الحوار الليبي لم يصل هذه المرحلة من التفاوض التي يعقبها التوقيع على مواثيق ملزمة لا يمكن التراجع عنها، وإذا ما اعتبرنا أن الاتفاق السياسي الذي وقع في الصخيرات نوع من التفاوض الذي أدى إلى ميثاق فإن هذا الاتفاق عانى من عدة مقاتل في داخله، فهو لم يتم بعد مصالحة اجتماعية شاملة، وهو كان يعمل بعكس التركيبة الاجتماعية الليبية، عبر محاولة التوفيق بين تيار مؤدلج ينتمي إلى تنظيم خارج الخيال التصالحي الليبي وبين تيار من الممكن تسميته وطنيا ينتمي إلى البعد الاجتماعي والوطني لهذا المجتمع، وهذا التفاوض غير الواقعي هو ما أدى إلى شبكة من الصراعات التي تدور على سطح الأزمة، بما يشبه القشرة الخارجية التي استنزفت الوقت والأعصاب فيما سمي تعسفا بالحوار السياسي الليبي.

ثانيا : (السياسي) : وهو مصطلح لا يخلو من الترف يصف حوار طرشان لا ينظر معظمهم إلا لمصلحته أو مصلحة فئته أو تنظيمه أو عقيدته، وهذا ليس عيبا على كل حال، لكنه كارثة حين يدور في شبه دولة سابقة تركض بسرعة نحو تصنيفها دولة فاشلة. تسمية هذا الحوار بالسياسي مخلة، لأني، ودون مبالغة، لم أر في هذا الكم الذي يشد الرحال بين مدن العالم من أجل الحوار السياسي، لم أر سياسيا واحدا مؤهلا للرقي بهذا الحوار إلى المستوى السياسي، وهذا جانب آخر يجعل الحوار يدور في حلقة مفرغة، فالسياسة هي فن الممكن وفن إدارة التناقضات والمصالح، وهي القدرة على التنازل والأخذ والعطاء، وأهم من ذلك تكمن أخلاقيتها في احترام بنود الاتفاق التي يتم التوقيع عليها، وكل ما حدث في الحوار السياسي الليبي لا يمت لهذه الأشراط السياسية بصلة، لأنه ببساطة خال من الساسة المحترفين ومعظم، إن لم أقل كل المشاركين فيه، هم هواة سياسة جديدون على السياسة وعلى الحوار، ويستخدمون خلفياتهم الثقافية أو القانونية أو الاجتماعية، بل يستخدمون عصبياتهم الجهوية أو القبلية في حوار يسمى سياسيا، وليبيا ليست خلوا من الساسة المحترفين لكنهم بعيدون عن المشهد أمام زحمة القانونين والمثقفين والإعلاميين والنشطاء والشيوخ والمتطفلين وغيرهم ممن قفلوا الطريق أمام الاختصاص. وغياب الاختصاص هو ما جعل الهوة تتسع بين مندوبي منظمة الأمم المتحدة المسيسين وبين أطراف الحوار.

أما المفردة الثالثة (الليبي) ، فهي أيضا مشوشة خصوصا ونحن نرى أن ولاء العديد من الأطراف لقوى أو تنظيمات خارج ليبيا وأن الحوار نفسه يتم خارج ليبيا وبآلية لا تمت للخبرة أو الذاكرة الليبية أو أخلاقية التفاوض بصلة. بمعنى آخر هو حوار يشبه الصناعة في العالم الثالث التي تقتصر على تجميع الأجزاء المصنوعة في الخارج.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات