ركن العامرية .. أهلًا بالعيد

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

نحن الليبيون والليبيات نعرف تمامًا كيف نفرح! هذا ما حدثني به رأسي يوم عيد بعيد، وقال أيضًا أن طرق التعبير عن فرحتنا تفوق حد الوصف، فطقوس عيد الأضحى مثلًا أو ما يُعرف بالعيد الكبير أو عيد اللحم غالبًا ما تجعل قلوبنا تتراقص طربًا.

بالرغم من الغلاء إلا أن هناك حرص شديد عند عموم الناس بضرورة شراء الأضحية، فالحكاية مرتبطة ذهنيًا بقرون كبش حتى يكون للعيد مهجته وبذا بات الأمرعند العديد من الأسر خصوصًا النازحة و المُهجرة هاجسًا لا انفلات منه. ولا نغفل عن السخرية التي ينال الأطفال بها بعضهم بعضا إن لم يكن هناك قرونًا يتباهون بها وهذا سهم أخر من سهام الضغط الاجتماعي الذي تغرزه البيئة المحافظة في خصر من أطمئن لها ليستحيل ذلك الاطمئنان شاغل يُثقل القلوب والأبدان.

أما العامل الاقتصادي والتجاري فمن الأهمية بمكان، حيث تنشط في الأثناء حركة بيع الأغنام والعلف اللازم لها ومستلزمات الذبح والشواء وغيرها. وفي الغالب يتم شراء الأضحية قبل العيد بأيام فيستأنس بها الأطفال، فهي من الحيوانات الأليفة والمحببة جدًا في عالمهم الخيالي الجميل، يفرحون بإطعامها وقد يرتبطوا بها وجدانيًّا إلى أن يشرق فجر يوم العيد. وبعد صلاة العيد و التهاني و التبريكات بالخير والرحمات وبعد أن يتهيأ صاحب البيت مع الجزار (للذبح) يُؤتي بالأضحية معصوبة العينين.

رأسي لايزال يحدثني و يتسأل عن ماهية الفرح فأسرعتُ بطرد تساؤله بعد تعنيفه

وعندما كنتُ في السادسة من العمر شهدتُ المشهد من بدايته وحتى آخره لأول مرة، وانحفرت في ذاكرتي الغضّة تفاصيله المميتة كاملة بما في ذلك بشاعة مشهد انفجار الدم ورائحته ولونه القاني وانتفاضة جسد خروفنا الذي ركضتُ ورائه في حديقة بيتنا طيلة الأيام القليلة السابقة للعيد، وهالني رؤية رأسه المفصولة والصوف الملطخ بالدماء والطين، وهذا ما يحدث في أغلب البيوت الليبية وهذا ما يشاهده غالبية الأطفال في أول يوم من أيام العيد الكبير.

يتمتم (الجزار) بشيء و(يُسمَّي) ويذبح الأضحية برحمة متناهية، هكذا قالوا لي، لتنتهي مقسمة على أربعة يُخرج ربعها صدقة، وتعمل المرأة خلال العشرين ساعة التالية على تقسيم الباقي بين الشواء والقديد، وتنظيف الأمعاء وحشوها، وبعد أن ينتهي هذا الطقس المنهك المفرح وينتهي كل شيء أآر يجلس الجميع لالتهام ما جنته يداه تمامًا كما يقول كتاب التقاليد والعادات الذي يشرح الكثير من المكابدات المبهجة.

ورأسي لايزال يحدثني و يتسأل عن ماهية الفرح فأسرعتُ بطرد تساؤله بعد تعنيفه، فآبى إلا أن يستفهم عن تأثير حضور الطفل الصغير لحادث جلل كهذا، فقلت مضطرة، ربما سيبغض والده الذي انتزع منه صديقه الخروف وقد يشمئز من الجزار المسكين الذي حز رأس الحيوان الأليف، وربما تسبب له مشاهدة الدماء المتقاطرة من رقبة من كان كبشًا منذ لحظات، شيئًا من تبلّد الإحساس فلا يأبه لمشاهد جز الروؤس أو قد تتشطر نفسيته لهول ما رأى فيعاف اللحم والشحم.

في المقابل، قرأتُ مرة لكاتب مسلم أنه بالإمكان أن يساهم حضور الطفل للحدث الجلل في تهذيب مشاعره واستقرار وجدانه، وذلك بربط مشاهد قطع الرؤوس وانهمار الدماء بالخراف وليس ببني الإنسان! في الحقيقة، أنا لا أعلم فرأسي لايزال يدور في يوم عيد كبير بعيد.

ونحن الليبيون نصرّ على الفرحة لأننا مُسيّرون، فالموروث يحكمنا حتى وإن كنّا على سطح القمر، فمثلًا بعض الأسر المقيمة بالخارج، حيثُ القوانين المجرّمة لذبح الأغنام في الأماكن الخاصة، تقبل على ذبح الكباش بعد جرهم من قرونهم أمام الأطفال، فيقوم بعض الليبيين المتعلمين بذبحها خلسة عن القانون، غير عابئين بتأثير ذلك على أطفالهم.

المهم أن تعم الفرحة الكبرى أرجاء المكان أينما كنّا و يرتج الكون من السعادة، فاليوم عيد ذبح كبير وأما ماهية الفرحة، فأمر آخر. وعلى أية حال، هذا شكل من أشكال التعبير عن أفراحنا أما أحزاننا فلها مقالة أخرى. وكل عيد كبير و أنتم بهناء و بهاء صحبة الأهل وكل من تحبون.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات