الحجْر هو الحل

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

الثوار، أو مَن يدعون أنهم ثوار فبراير، وأولئك الذين سرقوا الثورة بلا خجل أو استحياء، يثابرون بجهد خارق، على نهب استثمارات الثكالى، واليتامى، والذين فقدوا أطرافهم جراء معارك التحرير. قد يكون من بين هذه الاستثمارات: «المجنب» إن كنتم ما زلتم تذكرون تفاصيله عندما قرره لكم (النظام السابق) وعلى الرغم من كل ما فعل فقد ترك لكم ما تتصارعون على نهبه، ولا أعتقد أن مَن يتولون الأمر الآن سيتركون لكم ما تتصارعون عليه. ولكن من الخطأ أن نقرر أن المتصارعين كلهم يتحركون بنوايا سيئة، فمنهم مَن يرى أن هذه الاستثمارات رزق أيتام، ومغبة سرقته مهيبة كيوم فتح أبواب جهنم. الليبيون البسطاء يستطيعون بالنية فقط التفريق بين الحذاق والشرفاء الذين يقفون بالمرصاد لكل لص يدعى حب الوطن.

مَن يستطيع أن يقنعني بكيان ليبي واحد يستأمنه الناس جميعًا، وفقًا لما نسمعه ونراه يوميًّا ليتولى هذه الاستثمارات، والأطراف إما متناحرة أو مغيبة، أو لها مآرب أخرى. وبالتأكيد أولئك الشرفاء الذين يحاربون الإرهاب باتساع ليبيا.

المتناحرون يطالبون، برفع الحظر على استيراد السلاح وهو الشيء الوحيد الذي لم يتوقف تدفقه إلى ليبيا، منذ اندلاع ثورة فبراير. بعض هذا السلاح مبعوث من الأصدقاء الحقيقيين لليبيا لمحاربة الإرهاب، وبعضه لحراسة ما اغتنم من رزق هذا الشعب البائس، الذي - كما يقال- انتصر على نظام شمولي ليجد نفسه في فم غولة بمختلف أشكالها ومسمياتها.

متناحرون يصرون على الاحتكام إلى القوة، وهم قادرون على الحوار، ويعرفون أن شركاءهم في الوطن لهم حقوق مثل حقوقهم تمامًا. المطالبة بالسلاح متزامنة مع محاولات الهيمنة على الاستثمارات. فيكون السلاح إما لمَن يريدون الخير لليبيا، يتصدى به للإرهاب، أو لمَن يواصل النهب الممنهج، لمواصلة تفخيخ الأبرياء وحرقهم بالأحزمة الناسفة. والعالم يعرف ذلك تمامًا مثلما يعرف المؤمن أن الله واحد.

ولكن ما يزعجني فعلاً هو صمت رجال الدين، على الأقل الشرفاء، الذين يعرفون جيدًا أنه - جل شأنه- يمهل ولا يهمل. رجال منتشرون في ليبيا كلها، ويعرفون مَن هم أولياء الأمر فينا، الذين لا يريدون أن يستقر الحال حتى يستولوا على آخر دولار مجمد أو مسيل، وتعود البلاد إلى ما كانت عليه سنة 1951 عندما قال تقرير الأمم المتحدة أن ليبيا أفقر رابع دولة في العالم، وأن غانا منحتها 250 ألف جنيه استرليني عندما استقلت كهبة، يعني صدقة!

هل رجال الدين في ليبيا لا يعوفون نص الآية الكريمة من سورة النساء: (وَلا تؤْتوا السّفَهَاءَ أمْوَالكمْ التِي جَعَلَ اللَّه لَكمْ قِيَامًا وَارْزقوهمْ فِيهَا وَاكْسوهمْ وَقولوا لَهمْ قَوْلًا مَعْروفًا * وَابْتَلوا اليَتَامَى حَتَّى أذَا بَلَغوا النِّكَاحَ فَإِنْ أنَسْتمْ مِنْهمْ رشْدًا فَادْفَعوا إليْهِمْ أمْوَالهمْ). الآيتان دلتا على الحجر على السفيه واليتيم في ماله، لئلا يفسده ويضيعه، وأنه لا يدفع إليه إلا بعد تحقق رشده فيه، فما بالك بمال ليس بماله، ولقد حجر النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الصحابة لأجل قضاء ما عليهم من ديون.

إن الإصرار على العناد برفض الآخر هو من أخلاق السفيه. ولأنهم يرفضون بعضهم البعض، بدرجة لم يعد معها تقييم يفرز الصح من الغلط، فهم، إذن، لا ينبغي أن يؤتمنوا على أموال اليتامى والثكالى ومَن فقدوا أطرافهم، وبالتالي وجب الحجر عليهم، ولكن مَن بمقدوره أن ينفّذ شرع الله؟ فمَن لا يعرف أن المؤمنين قد يحجرون على الإنسان لأجل مصلحته هو: لئلا يضيع ماله ويفسده، كالحجر على الصغير والسفيه والمجنون. أليس العناد وفرض الرأي الواحد والقتل وتلغيم منازل وسيارات الأبرياء شكلاً من أشكال الجنون؟!

إعلام العالم، خصوصًا الغربي يتحدث عن ملايين من عملات العالم كله دخلت ليبيا واختفت، ومصرف ليبيا، الذي لم يعد «مركزي»، لا يعرف عنها شيئًا!

هل نلوم الشعب الذي يقضي يومه منتظرًا الفتات والقشور من مصارف ليبيا عندما يرفع صوته عاليًّا ويطالب بأن يحجر على أموالنا حتى يتوافق الفرقاء ويعوا أن مَن جاء بهم هو الشعب وأنه لن يسلِّمهم أمواله إلا بعد توافقهم. دعونا نفعل ذلك حتى يفلسوا ونعرف مَن وراء تعنتهم. ومَن يموِّل إرهابهم؟ اطلبوا منهم أن يتوافقوا أو يغربوا عنا ويتركونا في حالنا، فلقد صرنا مسخرة للدنيا كلها.

فهل من مسلمين حقيقيين ينقذوا بسطاء ليبيا من هذا الغم المزري الذي يستقبلون وينهون به يومهم؟ هل من مسلمين؟ أم نتوجه ثانية إلى الأمم المتحدة، أو الناتو نطلبهم رسميًّا أن يتدخلوا، قبل أن نتحول إلى شعب يتسول أمام أبواب دول العالم كلها؟!

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات