لبنان يا ليبيا

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

في برنامج ضيف ومسيرة، بقناة فرانس 24، تحدث الرئيس اللبناني السابق ميشيل سليمان، عن معجزة تماسك الدولة اللبنانية رغم أن الجميع كان يتوقع أن الهزة التي حدثت في سوريا ستتبعها هزات ارتدادية قوية في لبنان، ويحيل هذا التماسك اللبناني إلى دور الجيش، مشيرا إلى أن الناس هم من أخذوا العبرة من الحرب الأهلية السابقة بعكس الساسة الذين لم يأخذوا العبرة. بمعنى أن الشارع استطاع أن يتغلب على أهواء الساسة التي كادت أن تعصف بوحدة لبنان وترمي به في أتون حرب أهلية أخرى، وما لفت نظري في هذا الحوار إشاراته المتتابعة للجيش اللبناني الذي استطاع، رغم قلة إمكانياته، أن يحافظ على أمن ووحدة لبنان، وأن يحارب الإرهاب في الوقت نفسه ويحد من انتشاره.

كلنا يعرف أنه، ومنذ الحرب الأهلية في السبعينيات، كان الوصف الدارج للجيش اللبناني هو ضعفه وعدم قدرته على بسط نفوذ الدولة على أرض لبنان التي تساوي مساحتها تقريبا مساحة الجبل الأخضر، لكن وصفه بالضعف لم يمنع هذا الجيش من أن يؤمّن لبنان القابع بين عواصف على حدوده، فعقيدة هذا الجيش الوطنية، إضافة إلى وعي الشارع واحترامه لهذا الجيش (الضعيف) هي ما جعلت دوره مهما ومركزيا للحيلولة دون تفكك الدولة.

كلما تم الحديث عن الجيش الليبي الذي يخوض حربا مزدوجة ضد الإرهاب وضد محاولات تقسيم ليبيا، نجد ردود فعل عدائية تجاه هذا الجيش تصفه بالضعف أو الهشاشة أو عدم قدرته على بسط نفوذه على الأرض الليبية، بل ويصل بعض الحاقدين عليه إلى وصفه بالميليشيات. حسنا سنسلم مبدئيا أن الجيش الليبي ضعيف ومتهالك نتيجة ظروف مر بها يعرفها الجميع، لكن أيضا قطاع التعليم ضعيف ومتهالك، وقطاع الصحة ضعيف ومتهالك، والمواصلات والمصارف، وغيرها من مكونات الدولة الضعيفة. لكن هذا لا يمنع أنها موجودة وقابلة في أي وقت للتطوير وللإصلاح.

المعسكرات والمطارات العسكرية، والضباط، وضباط الصف، والجنود من جميع أنواع الأسلحة، الذين صرف على إعدادهم وتدريبهم المليارات من خزينة الدولة، والإدارات العسكرية والأسلحة، كلها موجودة، وكونها ضعيفة أو مازالت تعاني من تداعيات ضرب مؤسسسات الدولة ومن الانقسامات يشبه ما يحدث في القطاعات السابق ذكرها.

الديمقراطية لا تعني صناديق الانتخابات، لكنها تعني في جوهرها قابلية التداول السلمي للسلطة

أهمية الجيش الليبي الوطني أيضا تكمن في أنه يتكون من كل جهات وأقاليم ومدن وقرى وإثنيات ليبيا، وضباطه على مدى الوطن تربطهم علاقات مهنية وثيقة واحترام متبادل. لكن الساسة، كما يحدث في لبنان، هم من يعملون على تفريق هذه القاعدة العريضة للجيش، والساسة، كما في لبنان، تقف وراءهم مصالح شخصية وأجندات دولية أو إقليمية، وقد كتبت سابقا مقالة "حبوا جيشكم أيها الليبيون" لأن حب الجيش الوطني من قبل القاعدة الشعبية هو ما يجهض مشاريع الساسة واستغلالهم للفراغ السياسي والأمني لتحقيق إملاءات يقف خلفها داعموهم، ولعل في التجربة اللبنانية الصامدة أمام العواصف عبرة لأن الجيش هو ضمانة وحدة وتماسك الدولة، ولأن الجيش يستمد قوته وثقته في النفس من حب الناس له،الناس الذين أخذوا العبرة الكافية في لبنان من الحرب الأهلية التي دفعوا هم ثمنها ولم يدفعها الساسة الذين هربوا بعائلاتهم إلى أماكن بعيدة آمنة بعد أن هربوا من المال ما يضمن لهم حياة رغدة.

والمحصلة؛ جيش وطني موحد، حتى ولو كان ضعيفا، أو على طريق الترميم، هو الضمانة الوحيدة للدولة من الإرهاب ومن التقسيم ومن الحرب الأهلية، وحين تتحقق هذه الضمانات يمكن للمسار الديمقراطي أن يأخذ طريقه، ويمكن لنا أن نتعلم أبجديات الديمقراطية وأن نجري انتخاباتنا فوق أرض موحدة وآمنة ومحمية الحدود.

البعض يتخوف من أن الجيش أو العسكريين حين يسيطرون على البلد ويكتسبون جميل القضاء على الإرهاب وتأمين الدولة لن يتخلوا عن السلطة بسهولة، ولعل ما حدث في مصر يشي بمثل هذه المخاوف، مع قناعتي أن ما حدث في مصر كان لابد أن يحدث، وأن محك نجاح ثورة 25 يناير، وثورة التصحيح في 30 يونيو، هو حين نرى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي يسلم السلطة والقصر للرئيس المنتخب بعد نهاية مدة رئاسته الدستورية.

الديمقراطية لا تعني صناديق الانتخابات، لكنها تعني في جوهرها قابلية التداول السلمي للسلطة، وهذه القابلية لابد أن تتوفر لدى السلطة ولدى الناخبين في الوقت نفسه، فمشكلة تداول السلطة لم تكن مشكلة تتعلق بالسلطة فقط لكنها تتعلق بالناس أو الشعب أو الناخبين، فكلنا يعرف أن الحاكم في مثل هذه الديمقراطيات سيظل ينجح في الانتخابات، مزورة أو نزيهة، حتى يخرف مثل الحبيب بورقيبة، أو يموت مثل السادات، أو يُنحى بالقوة مثل مبارك وبن علي، والسبب يعود إلى ذهنية الناخبين الذين يرون في التغيير مغامرة، وأن من تعرفه أفضل ممن تتعرف عليه، كما يرجع إلى ضعف الحياة الحزبية أو الأحزاب التي يمكنها أن تفرز منافسين حقيقيين للرئيس.

مخاوف الكثيرين من عودة حكم العسكر لها ما يبررها، لكن الأمر رهن بوعي الشارع وبالمجتمع المدني، وأيضا بوعي القادة العسكريين الذين عليهم أن يدركوا أن الواقع ما قبل الثورات العربية 2011 ليس هو نفسه ما بعدها، سواء على مستوى الوعي المحلي أو على مستوى المزاج العالمي.

لكن لو حدث أن خلع عسكري بزته، واستقال من المؤسسة العسكرية، ووصل إلى الرئاسة عن طريق انتخابات نزيهة، فإن هذا لا يتناقض مع الخيار الديمقراطي، شرط أن يكون هذا الرئيس مستعدا وقابلا للجوهر الديمقراطي المتعلق بالتداول السلمي للسلطة، بمعنى أن لا تعود المخاوف من الطرفين، طرف السلطة الذي يتشبث بشكل مرضي بالكرسي ويعمل على تعديل الدستور ليستمر مدى الحياة، وطرف الشارع الذي لن تؤدي به ذهنيته القديمة إلى التظاهر من أجل التمديد للرئيس خوفا من المغامرة، أو من عدم وجود بديل، كما حدث طيلة العقود الماضية في دول سلطة الحزب الواحد، والحاكم المنتخب مدى الحياة، وبرضا من قطاع واسع من الشعب، ومناكفة خجولة من قبل قلة من النخب.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات