توريث الخراب

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

سنة 2009، أو 2010 (لم أعد أذكر تماما) دعيت إلى مهرجان شبابي متعدد المناشط بمدينة الزاوية في فندق الجوهرة (أصبح خِربة في أحداث 2011)، وكان مطلوبا مني التحدث عن القصة الليبية وتجربتي القصصية. فكان أهم ما قلته، بعد التعبير عن سروري بالدعوة وامتناني لمبادرة المضيفين المنظمين، أن اللقاء بالشباب يمثل لقاء بالمستقبل.

والحقيقة أن هذا التعبير لم يكن، بالنسبة إليَّ، تعبيرا مجازيا، بل كان تعبيرا عن واقع، أو، على الأقل، كان حضور المجاز فيه ضعيفا. ذلك أن هؤلاء الشباب، ومن في مثل سنهم، وغالبيتهم كانوا في سن بدأوا فيها حياتهم العملية، هم الذين سيتولون، مستقبلا، إدارة مفاصل الدولة ومؤسسات المجتمع المختلفة، بما في ذلك الأنشطة الحرة.

إلا أنه من الجلي أن أنظمة المنطقة، سواء كانت أنظمة قمعية أو استبدادية، عملت، من خلال وسائلها وإجراءاتها لإدامة سلطتها وإعادة إنتاج نفسها كأنظمة، على تخريب هذا المستقبل. أريد أن أتوقف هنا عند حادثة ذات دلالة في هذا السياق رواها لي ابني حيان عندما كان تلميذا في المرحلة الثانوية.

تزايد مد التزمت والتشدد والتطرف الديني والاندفاع نحو الإرهاب بين الشباب إلا دليلا على نكبتنا في شبابنا وأوطاننا ومستقبلها

قال، جاء إلى المدرسة أعضاء من اللجان الثورية ليعطوا دروسا في فكر الكتاب الأخضر، وخاطبَنا المحاضر الذي تولى فصلنا قائلا: يا شباب أنتم الذين ستبنون البلد مستقبلا.

قال حيان، فمال عليَّ زميلي الذي بجانبي وهمس في أذني:
همَّ يخربوه ويبونا احنى نبنوه!
والحقيقة أن أنظمتنا السياسية خربت أوطاننا وخربت شبابنا، أي أنها، عمليا، خربت مستقبل هذه الأوطان. فأجيالنا الشابة تفيض أفئدتها بمشاعر الإحباط والفشل. والفيديو الذي دلني عليه ابني حيان ذو دلالة. قد يجد فيه البعض، من ضمنهم حيان نفسه، طرافة وفكاهة، لكنني أراه محزنا ومقبضا ومبكيا. الفيديو مأخوذ من إحدى القنوات المصرية ومصور في الشارع. يستوقف فيه المذيع شبابا، ذكورا وإناثا، ويسألهم:
"كان نفسك تبقى إيه لما تكبر؟"

وهذه عينة من الإجابات:
شاب، في الصغر: عيل أهبل. في الكبر: غبي!
شابة، صغيرة: كان نفسي أكبر. في الكبر: عايزة انتحر!
شاب، في الصغر: ضايع. ودلوقت ضايع!
شابة، في الصغر: كنت عاقلة. في الكبر:تهبلت!
(لمشاهدة الفيديو (https://www.youtube.com/watch?v=Cd0uUFk8Xck
نكتفي بهذه العينة الدالة من الإجابات الشبابية، ومن المؤكد أن ما ورد في إجاباتهم هو نفسه ما يعتمل في نفوس ورؤية الغالبية الساحقة من الشباب في المنطقة العربية. المميز هنا روح (أو سلاح) الدعابة التي يتميز بها المصريون.
لقد ورث شبابنا الخراب فشاهت نفوس أعداد غفيرة منهم، وما تزايد مد التزمت والتشدد والتطرف الديني والاندفاع نحو الإرهاب بين الشباب إلا دليلا على نكبتنا في شبابنا وأوطاننا ومستقبلها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات