بورتريه عمر المختار

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

1-
يتكيءُ في سريره على ظهرهِ واضعاً رجلا على رجل مُمسكا بمسبحته في الزنزانة التي تعج بضجيج الزملاء، طالقاً العنان للنفس المكلوم، مُسلطا النظر على السقف، مُنصتا بعدم اهتمام لخطاب مُعاد للقذافي الذي تبثهُ محطة الجماهيرية العظمى للمرة الثالثة هذا اليوم، يجرُ خباء السرير وهو يعلقُ بلا مبالاة معتادة: خرف يا شعيب.

خمسة عشر عاما قضاها في سجون: خرف يا شعيب من لم يكلْ من الخطابة ولم يملْ هو من إطلاق تعبيره عليه، سنوات وسنوات لم يحصِها، وهو يذكرها بنفيها، فذاكرته تنثال ساعة الشروق في شحات مع غبش الصبح حين ينهض يحث الخطى، والصقيع يجعله يتدثر بيديه حاميا الصدر من غدره، ساعتها يتعثر في خطواته العجولة للوصول إلى الفصل المدرسي بمدرسة شحات الابتدائية المانحة العلم والدفء معا، في الطفولة هو التلميذ وفي مقتبل العمر المدرس في ذات المدرسة: عمر المختار الوافي عجن الصعاب وتتلمذ على يديها واتخذ من العلم الملاذ، شغف بالنهوض ركب مركب السياسة في مطلع ستينات القرن العشرين فكان من القوميين العرب، لكن العلم كان المجداف والقارب وحتى البحر الذي يركب فالبلاد في جوع أن تعلم وتتعلم، ولذا جعل من تلاميذه الوسيلة والغاية.

عجن عمر المختار الوافي من الجبل وسفوحه في شحات ومن صقيع صبحه، من شدة المراس ومن الآمال الكبرى، وفي تأنٍ وتؤدة أنضج النفس واتخذ العقل المطية، كان وثلة من الصحاب يغدون صبح عشية من أجل الغد المرتقب من صهوة الجبل الأخضر حصن الأجداد في الذود عن حياض الوطن.

بلاد تنهض مع صبح تلاميذها ولا تنام حتى تصير البلاد

اختار المصير وجعل الكيل الوافي للوطن أولا وللوطن أخيرا، ليس الوطن الحجارة والتراب بل تلاميذه وما يطمح لهم من مستقبل، فهل أن الميلاد والمعاش في شحات- قورينا الزاد والحافز، هل أن الزاد شحات التاريخ والآثار في نبع أبولو مزار أفلاطون وفي المدرسة القورنائية- مدرسة مذهب اللذة، هل أنها الحافز وأنها كانت في الجينة ومشكل الخيال ومخصبا له لمن يصبح كل يوم على آثارها ناهضة بارزة أمام النظر، وعند المساء كامنة في الشغف بالتاريخ وكتبه ودروسه؟، كل فجر ينهض سكان قورينا- شحات منذ ما قبل الميلاد مبكرين، ومبكرا يرتأون له من خلال الضباب الذي يصعد من الأرض نحو السماء ويتسربلون من خلال المسام وأول نفس، عمر المختار الوافي الميلاد في شحات المعاش في شحات وشحات النفس، لو خير بين المبيت على الطوى أو مغادرتها لختار شحات، عاش في القرن العشرين، الخمسينات المبتدأ في درنة ومدارسها والستينات الطالعة في بنغازي وجامعتها وعند النكسة عاش في سجون البلاد السبعينيات والثمانينيات، وأما بعد ذلك فاكتفي بشحات واكتفت به وكأنه في معزل مغزله يغزل حلم خيوطه رفيعة، لكن ليبيا ليست عاجزة- وأم لم تستطع إليه سبيلا الساعة- عن تحقيق حلمه: بلاد تنهض مع صبح تلاميذها ولا تنام حتى تصير البلاد.

2-
كأني أرى عمر المختار الوافي المُعلم في مدرسة شحات الابتدائية يقفُ عند السبورة بين يدي تلاميذه في حصة اللغة العربية يُلقي القصيدة التالية مُعربا وشارحا:

• الوصايا المتناقضة
o شعر: كنت م كيث – أمريكا: ترجمة خالد مطاوع

الناس أنانيون لا منطق لهم ولا عقل:
أَحِبهم على أي حال.
إذا فعلت الخير، سيتهمك الناس بأن لك دوافع خفية:
افعل الخير على أية حال.
إذا كنت ناجحًا، سيلتف حولك أصدقاء كاذبون وأعداء حقيقيون:
عليك أن تنجح على أي حال.
ما تصنعهُ من خير اليوم سينساهُ الناس غدًا:
افعل الخير على أية حال.
الصدق والصراحة يجعلانك عرضة للخطر:
كن صادقاً وصريحاً على أية حال.
يقدر أضعف وأغبى الرجال والنساء أن يفتكوا بأعظم الرجال والنساء ذوي الأفكار العظيمة:
عليك أن تفكر أفكاراً عظيمة على أي حال.
الناس يحبون المُستضعفين ولكنهم يُصغون لأوامر الأقوياء:
عليك أن تقاتل من أجل المستضعفين على أي حال.
ما تُنفق سنواتٍ في بنائه قد يُدمَّر بين عشية وضحاها :
قم بِبنائه على أي حال.
الناس حقًا بحاجة إلى المساعدة، ولكنهم قد يهاجمونك إذا ساعدتهم:
ساعد الناس على أي حال.
امنح العالم أفضل ما لديك وستجني ركلات على أسنانك.
امنح العالم أفضل ما لديك على أي حال.

3 -
الموسم مُبشر، زوال الاحتلال الايطالي من بلادنا وعودة الغائبين، وحصاد وفير، وقدوم وليد لشيخ مسن، بعد أن كان قد فقد أبناءه من زواجه الأول في سني المُعتقل الرهيب، اسمتني جدتي لأمي (عمر) ليتوافق اسمي مع اسم شيخ الشهداء (عمر المختار) عرفاناً بفضل هذا الشيخ الجليل وامتناناً لدوره في تاريخ بلادنا الحبيبة، أُطلق الرصاص وعلت الزغاريد على عادة ذلك الوقت وأٌقيمت الوليمة وعمًت الفرحة.

على هذا دخلت الدنيا ومشيت أول الخطوات فيها، الطفولة المبكرة في ذلك الوقت تصحو على الدنيا... لتجد نفسك تزاول عملاً ما؛ إما راعيا تتعقب الشياه في التلال والوهاد أو مشاركاً في أعمال الزراعة أو أي من الأعمال البيتية الكثيرة الأخرى.. لقد كانت فترة الأربعينيات من القرن العشرين في بلادي، فترة صعبة على الأسر الفقيرة، ولذلك عانت أسرتنا الكثير من الحرمان والشدة، وليس أصعب على الناس من الحرمان من الطعام، فالجوع قاس، كنا لا نكاد نحصل على الكفاف من الطعام في بعض السنوات وكان ذلك شائعاً آنذاك، وإن كانت بتفاوت نسبي، غير أن ما يثير أنه رغم الحاجة لتوظيفي في عمل ما لدى الغير بأجر طفل صغير يعين الأسرة على الحياة -وقد كان تشغيل الأطفال شائعاً آنذاك في أعمال الرعي خاصةً -إلاً أن والدي رحمه الله أصر على إدخالي للمدرسة، وعمل جهده على أن يمكنني من أن أتعلم رغم كل المعوقات، إذ لم تكن للمدرسة، الشعبية التي حظيت بها في لاحق الأيام وكان الناس يفضلون أن يبقوا أبناءهم لمساعدتهم في البيوت..

أدخلني والدي المدرسة – مدرسة شحات الابتدائية – وهي مدرسة كانت قد فتحت زمن الإدارة البريطانية حوالي عام 1946م وبها آنذاك أربعة فصول؛ من الصف الأول إلي الصف الرابع الابتدائي على ما أذكر، والمدرسة عبارة عن مبنى من عدة حجرات متقابلة يفصلها ممر طويل، مسقوفة بالصفيح (بالزينقو) كما هي الآن، تقع على هضبة شحات العالية يحيطها في ذلك الزمن سور عالٍ متهدم في كثير من جوانبه ولها فناء غير مستوٍ، نصطف به ونمارس فيه ألعابنا وقت الاستراحات وأثناء حصص الألعاب كما كانت تسمى.

دخلت المدرسة أوائل الخمسينات مع بداية الاستقلال ولازالت أذكر كيف خطب فينا الاستاذ ناظر المدرسة الأستاذ الفاضل (عبد السلام بن عمران) رحمة الله، وأبلغنا ونحن لا نكاد نُميز من الدنيا شيئاً أن اليوم هو يوم الاستقلال، وهو يرفع علم البلاد على سارية المدرسة، وأبلغنا بأن اليوم عطلة رسمية فانطلقنا عائدين لبيوتنا فرحين ...
• من مذكراته المخطوط : بين الأمل والألم - مذكرات شخصية - عمر المختار الوافي - سـجين سياسي سابق

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات