تدشين السجن بشاعر!

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

لم تكن مؤسسة السجن، بمعنى المكان المخصص من قبل سلطة قائمة يديره موظفون متراتبون محددو المهام، موجودة في المنطقة التي ظهر فيها الإسلام. وهذا يختلف بطبيعة الأمر عن حبس الأسرى الذين كانوا يوضعون في أمكنة غير مخصصة لهذا الغرض إلى أن تتم مفاداتهم، أو حبس المذنبين، أحيانا في بيوت غرمائهم، إلى أن تتم تسوية النزاع. وحتى لدى الحضارات الملاصقة للمنطقة، مثل الآشورية والبابلية والكلدانية، لم تُنشأ مؤسسة السجن إلا لحبس الأسرى. وكانت العقوبات إما بدنية أو تعزيرية أو تغريمية.

ويذكر جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" أنه لم يكن ممكنا الأخذ بعقوبة السجن لدى القبائل العربية في البادية، إلا أن هذه العقوبة كانت تطبق في المدن. ففي مكة كان يتم وضع مستحقي الحبس في بيوتهم وتقييدهم بالسلاسل وتم حبس بعض ممن أسلموا من الشبان. إلا أنه يؤكد وجود مؤسسة السجن لدى العرب الجنوبيين وكذلك في الحيرة حيث قامت الدول-المدن وأنظمة الحكم الملكية.

أول سجين رسمي في الإسلام كان شاعرا وسجن بسبب شعره واستئناسا برأي شاعر آخر!

بعد الإسلام لم ينشيء الرسول مؤسسة السجن وكان الأسرى والسجناء الآخرون يوضعون في المساجد أو البيوت أو الخيام. وأول من وضع أساس مؤسسة السجن هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، في أواخر عهده، حيث اشترى دارا وخصصها للسجن، وتم تطوير المؤسسة أثناء خلافة علي بن أبي طالب حيث بنى دارا مخصصة لغرض السجن (أي لم تكن سابقة الوجود وتم تخصيصها لهذا الغرض مثلما كان الأمر في عهد عمر) وكان ذلك في الكوفة وأطلق على هذا السجن اسم "نافع".

لكن المفارقة تكمن في كون أول سجين "رسمي" يسجن بقرار من مؤسسة الخلافة ومن لدن الخليفة نفسه، كان شاعرا! هو الحطيئة. صحيح أن قضية حبسه كانت "قضية مدنية" ولم تكن بناء على تهمة سياسية، أو قضية رأي، إلا أن قرار سجنه كان عقوبة له على شعر قاله وبناء على دعوى مرفوعة من شخص اعتبر نفسه مشهرا به ومتضررا معنويا. الحكاية شهيرة جدا حيث اشتكى الزبرقان بن بدر الحطيئة إلى عمر بن الخطاب بسبب البيت الذي هجاه به الحطيئة والقائل: دع المكارم لا ترحل لبغيتها.. واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

في البداية لم يعتبر عمر البيت هجاء [ديوان الحطيئة برواية وشرح ابن السَّكيت 186-246 هـ. دراسة وتبويب د. مفيد محمد قميحة. دار الكتب العلمية. بيروت-لبنان. 1993، المقدمة]، وإنما عده معاتبة. فقال الزبرقان: أوما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس. والله يا أمير المؤمنين ما هجيت ببيت قط أشدَّ منه".

واللافت أن عمر لم يتسرع في الأخذ برأي الزبرقان ويُعمل سلطته كخليفة، بل إنه أعمل مسؤوليته التي هي لبُّ هذا المنصب، فـاستشار حسان بن ثابت الشاعر المعروف وسأله: هل هجاه؟. فأجابه حسان "ما هجاه، ولكنه سلح عليه"!. وبغض النظر عن دوافع حسان في هذه القسوة إزاء الحطيئة وما إذا كان على علم بالشكوى والمصير الذي ينتظر الحطيئة أم ظن أن الأمر لا يتعدى استشارة معرفية، فإنه عزز شكوى الزبرقان. وبناء على هذا التعزيز اتخذ عمر بن الخطاب القرار بحبسه في بئر!

المفارقة في هذا كله أن أول سجين رسمي في الإسلام كان شاعرا وسجن بسبب شعره واستئناسا برأي شاعر آخر!.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات