الإرهاب والاختلال العقلي

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

يتساءل الكثيرون من العرب والمسلمين، بصيغة استنكارية، عن لماذا يسارع الإعلام الغربي، وكذلك السياسيون الغربيون، إلى اعتبار الشخص الغربي، الأبيض، الذي يقترف مذبحة مختلا عقليا، في حين يصفون الشخص المسلم الذي يقترف مذبحة، في بلدان الغرب طبعا، إرهابيا؟!.

وهو تساؤل بالغ الوجاهة، واستغراب مشروع. ويعلل المتسائلون المستغربون، علنا أو ضمن، هذا الموقف الإعلامي والشعبي والرسمي الغربي بالموقف العنصري إزاء العرب والمسلمين. وهذا أيضا تعليل صائب.

فلا أحد يمكن أن ينطلق من موقف صلب في نفيه للتحامل الغربي، العام، على العرب والمسلمين من قبل الأكثرية الغالبة في أوروبا وأمريكا، أو استبعاده للموقف العنصري المسبق في هذه البلدان الموجه نحو شعوب المنطقة العربية والإسلامية. إلا أن هناك زاوية أخرى يمكن النظر منها إلى هذه القضية دون استبعاد الزاوية الأولى، طبعا.

هذا التعريف للإرهاب لا يفرق بين الإرهاب الذي يستهدف الأبرياء في بلدان الإرهابيين ذاتها وفي بلدان أخرى وبين حركات المقاومة والتحرر

وهذه الزاوية قانونية. إذ دفعت الحياة الديموقراطية في الغرب عموما بأجهزة الحكم ودوائر القرار هناك إلى إيجاد أطر قانونية للتعامل مع مختلف المسائل، وكذلك لإيجاد الذرائع القانونية للتغطية على بعض المواقف غير الأخلاقية.

وفي سياق موضوعنا فإن الإطار القانوني يفرق بين العمل الإرهابي والعامل العنفي الناتج عن اختلال عقلي. ولا يقدح في هذا التفسيرُ القائل بأن الإرهابيين هم أيضا مرضى نفسانيون ومختلون عقليا. فهذا "تأويل" نفسي، إذا جاز التعبير، وليس تشخيصا طبيا. إذ ينبغي النظر إلى التعريف القانوني للإرهاب واعتبار دوافع العمل الإجرامي.

فإذا كان مرتكب العمل الجنائي منتميا إلى تنظيم سياسي ينتهج العنف ويمارسه بغرض نيل مكاسب سياسية تتفق وأهدافه واستراتيجيته السياسية العامة اعتبر الدافع إلى الجناية دافعا سياسيا وصنفت الجناية تحت طائفة الأعمال الإرهابية. أما إذا كان مرتكب هذه الجناية فردا غير منتم إلى أي تنظيم سياسي ولا يستهدف بجنايته هدفا سياسيا واضحا عدت الجناية ناتجة عن اختلال عقلي ومرض نفسي. هذا هو السياق القانوني الذي يتحرك ضمنه الإعلام والرأي العام والحكومات في الغرب.

وبالطبع، فبما أن الغرب هو الذي يكيف مجريات الأمور في العالم وفق هواه فإنه لا يتطرق إلى ما يسمى "إرهاب الدولة". فدولة عنصرية دينية مصطنعة مثل إسرائيل لا يصنف تنكيلها اليومي بالشعب الفلسطيني وما ترتكبه في حقه من مذابح على أنه ممارسات إرهابية. كما لا يصنف غزو البلدان وترويع الشعوب الذي تقوم به أمريكا على أنه إرهاب، بالرغم من أن الممارسات الإسرائيلية والأمريكية تستهدف غايات سياسية.

كما أن هذا التعريف للإرهاب لا يفرق بين الإرهاب الذي يستهدف الأبرياء في بلدان الإرهابيين ذاتها وفي بلدان أخرى وبين حركات المقاومة والتحرر. فوفق هذا التعريف صنفت حركة الكفاح الفلسطيني المسلح على أنها حركات إرهابية ويصنف حزب الله اللبناني أيضا على أنه تنظيم إرهابي. لكن بالرغم من هذه النواقص والعيوب في التعريف المتبنى حاليا للإرهاب فإنني أرى أنه تعريف مهم.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات