من أجل ماذا تعيش؟

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

كاتبة أميركية اسمها (أرديس وايتمان) لها مئات المقالات عن العلاقات والمشاكل الإنسانية وكذلك الدين والكنيسة. ولها مجموعة كتب منها كتاب رشيق عنوانه (رحلة داخل النفس). قالت جلستُ في حفل عشاء إلى جانب كاتب يوناني مرموق، وكان النقاش نحو المنحنى الذي اتجهت إليه الرواية في العصر الحديث وهو موضوع اليأس، فسألت الكاتب: "أتنطبق هذه الظاهرة على الأدباء اليونانيين"، فأجابني: "لا. بالنسبة إلينا هناك مأساة واحدة في الحياة وهي قصرها".

إجابة هذا الكاتب اليوناني عادت بي إلى ثلاثة أو أربعة عقود خلت عندما كادت اليونان أن تفلس تمامًا بسبب اقتصاد كان ينهار أمام أبنائها وهم يرقصون، كل ليلة على أنغام (البزوكي) ويكسرون الصحون الصينية تحت أقدام الراقصين. كان ذلك قبل أن يستبدلوا الأطباق الصينية بالفخار الرخيص. أذكر أن صديقًا يونانيًا قال: "لو كنت تعرف أن عطلات اليونان الرسمية تبلغ 177 يومًا في السنة الواحدة، لما تعجبت من انهيار اقتصادنا". وانتبهت أن بلادنا معطلة لأكثر من أربعة أعوام وأن المسلحين فقط هم الذين يعملون.

تقول الكاتبة أرديس، في مقالتها إن عالم النفس (وليم ملتون مارستون) طرح السؤال الآتي على 300 شخص: "من أجل ماذا تعيش؟" كانت إجابات تسعة من كل عشرة أنهم ينتظرون حدثًا جديدًا. وظيفة أفضل، بيتًا جديدًا، أو رحلة.

المحصلة هي كيف تنظر لما تقوم به

ولو كررنا السؤال على الليبيين السعداء، فسوف تكون الإجابات: وظيفة أفضل (في سفارة أو شركة الاستثمارات الخارجية)، فيلا بدلاً من شقته، رحلة إلى الخارج قد تكون لحضور مناقشات (اتفاق الصخيرات) فقد يلتفت إليه العالم الغربي ويدفعون به رئيسًا لوزارة من الوزارات. إنهم يستهلكون نصف أعمارهم في انتظار حدث سعيد، أما النصف الآخر فيقضون منه 59 دقيقة في الساعة الواحدة في الماضي، ويعيشون في الحاضر دقيقة واحدة.

نحن نتذمر عندما نواجه المشاكل ونحبط وننزعج عندما لا تتوافق آراؤنا مع من نحب. نتشاءم عندما يسقط فنجان قهوتنا المفضل من بين أيدينا، نفرح بالأخبار الحسنة ونبتهج بالطبيعة ونسائم البحر الصيفية، ونغضب تمامًا عندما يلتوي كاحلنا ونحن في وسط المرح، فنشكو: "لماذا لا تجري الأمور بمثل ما نريد؟"، متناسين أن المصيبة ليست في المشاكل والمطبات التي تصادفنا ولكن في عدم مواجهتها ومعالجتها.

أحداث حياتنا الصغيرة منها والكبيرة نعيشها من صحونا حتى نومنا، نتأرجح ما بين المضحك تارة والمبكي تارة أخرى. ألا يشبه ذلك عوامل التعرية؟ فالصخور لا تصمد أمام تناوب اشتداد الحرارة والريح والبرودة، فما بلك بالإنسان الهش.

نستكين ونثور نتطلع إلى صخب يعلو ضجيج أنفسنا، فنبتدع الحفلات الصاخبة، أو نغرق في المهدئات أو نطوي الضلوع على أحزاننا فنهرم قبل وقتنا. تغيب علينا دائمًا حقيقة بسيطة وهي أن كل دقيقة في الحياة هي معجزة لن تتكرر فلماذا نهرب منها؟ لماذا لا نعيشها؟ فالفرح الصغير حدث جميل لماذا لا نرعاه حتى يكبر. لا أحد يطلب منك أن تحذف شعورك بالأسى أو تعالجه بموقف عقلاني، ولكن أن تبني نظرتك إلى العالم على أساس راسخ وهو: أنك موجود في هذه الحياة وأنك جدير بها وهي تستحق أن نعيشها، وتتذكر أيضًا أن هناك منبعًا رائعًا آخر وهو محبة الناس، فشخصيتنا في المفهوم الداخلي العميق حصيلة علاقتنا بهم.

والمحصلة هي كيف تنظر لما تقوم به؟ يُحكي أن عابرًا مر بثلاثة عمال يكسرون حجرًا كبيرًا فسألهم: "ماذا تفعلون؟"، قال الأول: "نقطع الأحجار" وقال الثاني: "أكسب عشرة جنيهات"، أما الثالث فقال: "نبني قلعة". هكذا هي الحياة انظر إليها من الزاوية الموجبة، وعلينا أن نتذكر أنها غالية ولا نحتاج منها سوى أن تمنحنا الفرصة لنكون ما نقدر أن نكونه.

- معالجة وتلخيص من مقالة للكاتبة الأميركية (أرديس وايتمان Ardis Whiteman) عنوانها: ينابيع الحياة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات