لا تحاول أن تفهم!

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

نشرت أسئلة على صفحتي في الفيسبوك، كانت قد أرقتني الليلة السابقة، حينما كانت الكهرباء والشبكة مقطوعتين، وفقدت هذه الأسئلة طزاجتها مثل الخضار الذي تنقطع عنه الكهرباء في البراد.

البعض وهو بعض غالب ضغط على أيقونة الإعجاب وهو في طريقه إلى مواضيع أخرى، وهذا البعض عادة لا يقرأ حتى المنشور، لكن واجب تحيته بإعجاب تشبه واجب عابر في قرية عليه أن يلقي التحية على كل من يقابله، وربما اكتفى بدهشة السؤال أو أنه رأى أن السؤال يحمل إجابته في داخله أو يحمل رأيا، وما أكثر أسئلتنا الدوغمائية والخبيثة التي تخبئ إجابتها المسبقة في طريقة صياغتها، ويبقى لكل سؤال أصيل لابد من إجابة أصيلة.

البعض علق، أو حاول الإجابة، أو انصرف عبر السؤال إلى شيء آخر يريد قوله، أو سخر من الأسئلة من أصلها. سأحاول أن أجمع الأسئلة وتعليقاتها في هذه المقالة لعلي أحيط بإجابة أو بظاهرة على الأقل، محاولا أن أبني أسلوبا آخر للمقالة التي يشارك فيها أكثر من كاتب مثل المقالات التي كانت تكتب قديما من خلال حوار أصدقاء في مقهى شعبي رخيص، أليس الفيس مقهىً بحجم الأرض يلتقي فيه الأصدقاء، ويثرثرون معا، ويتشاجرون، دون أن يضطروا في النهاية إلى النظر إلى بعضهم بحثا عمن يدفع فاتورة المقهى:
1 ـ ضحايا العمليات الإرهابية منذ بداية السنة في فرنسا وبلجيكا وألمانيا أكثر من ضحاياها في ليبيا في المدة نفسها. في هذه الحالة ماذا يعني الانفلات الأمني بالضبط؟ ويبقى الفارق أن الليبيين متعودون على الرعب منذ زمن، والأوروبيين في الشوارع مرعوبون فعلا.
2 ـ تفجير أو إطلاق رصاص على الأبرياء، الجثث والأشلاء في مكان الحادث، ويظهر المسؤولون أو وسائل الإعلام علينا بقول: لم يتم التأكد من أن هذا العمل عمل إرهابي.استغرب وأتساءل: ما المقصود بالعمل الإرهابي؟ هل لابد أن تصرح جماعة إسلامية بالمسؤولية حتى يصبح عملاً إرهابيا؟ هل توصيف الإرهاب متعلق بهوية الجاني أم بهوية الضحايا؟ أحاول أن أفهم فقط .
3ـ حين يطلق الرصاص أوروبيٌّ أو أمريكي أصلي وأشقر على الجموع ويقتل العشرات، تنتهي التصاريح بكون الفاعل مختلاً عقلياً، وتخرج الحادثة عن كونها عملاً إرهابياً. أليس كل من يطلق الرصاص على الأبرياء أو يفجر نفسه بينهم مختلا عقليا؟ أليست الجماعات الإرهابية مختلة عقلياً في حقيقتها ؟ هل ثمة فارق بين اختلال عقل الفرد واختلال عقل الجماعة؟
لعل الرابط الأساسي بين هذه الأسئلة هو انعكاس الأحداث في وسائل الإعلام، حين تتعامل مع الأحداث بانتقائية وخبثٍ، وتؤكد على مهمتها الأصيلة المتعلقة بالقدرة الفائقة على التلاعب بالعقول، مستفيدةً مع الوقت من تطور تقنياته ومدى استسلام الرأي العام لحنكة مديريه في تحوير الخبر وتحديد ردات الفعل وطبيعة الاستجابة.

يبدو أن لوسائل الإعلام المسيطَر عليها من قوى خفية أو معلنة طرقها المختلفة في التعامل مع الحوادث

يعلق الصديق، عمر علي عبود، مكثرا من علامات التعجب: "الفرق في دقة الإصابة!! حتى الإرهابيين فيهم فرق!!" بينما الصديقة الكاتبة، رزان نعيم المغربي، المهاجرة إلى هولندا، تقول: "أنت الهارب من جحيم حرب مجنونة إلى ما تعتقد أنه مكان أكثر هدوءاً واستقراراً سوف تكتشف مع الوقت أن الخوف لا يتصرف من تلقاء نفسه، بل يتجدد، لأن هنا في الغرب سوف تصاب بلوثة الرعب القادم من بلدك! باختصار هم يقولون لك لا يوجد إرهاب إلا من قبلكم! وسوف تسيطر على أعصابك، ولكن حال رؤيتك لشخص يرتدي ملابس عربية وله لحية سوف تسأل نفسك وأنت تركب وسيلة المواصلات ماذا يفعل هنا؟ وتنظر إليه بريبة وشك... ثم يأتي الإعلام فور حدوث تفجير وتكتشف أن من قام بالعمل ينتمون إليهم ولدوا في الغرب ودرسوا في مدارسهم بل أن الأمن يعرفهم ولكنه لا يقبض عليهم بسبب الحرية! حاول أن تجمع تلك الخيوط لتعثر على الأسلوب الذي يفكرون به؟.
على السؤال الثاني تعلق، سنا سنا: "الإرهاب من وجهة نظرهم لصيق بفئات معينة دون غيرها. أمر ممنهج. رؤى متعصبة وناقمة". أما نجوى العبيدي فتتأمل الحالة بحرقة: "على ما يبدو أن الشيء الذي بتنا نفهمه بهذا الوطن هو الحزن، أما عن أسبابه فلا تحاول أن تفهم أو تسأل".

الصديقة المحامية والحقوقية أمال بوقعيقيص تذهب إلى محاولة إعادة هذا الالتباس في المفاهيم إلى المنطق القانوني الذي يحدد المفاهيم بطريقته، فتعلق: "فرق بين جريمة جنائية فردية دوافعها لا تستهدف الجماعة وقد تكون احتجاجا مرضيا عن حالة إحباط، رفض، كره عابر أو مستديم. الإرهاب ضد جماعة، منظومة. فكر". وفي تعليقها على السؤال الثالث تشير أمال إلى الفارق الجوهري بين الجريمة الفردية المرضية وبين الجريمة الجماعية المؤدلجة: "اختلال الجماعة أيديولوجي يهدف إلى السلطة والسيطرة، اختلال الفرد عضوي صاحبه ضحية له وهو اختلال كيمياء الدماغ وهذا الأمر يستدعي أحيانا إلغاء العقوبة أو تخفيفها". بينما يشير الشاعر عبدالوهاب قرينقو إلى مقالته (قاتل ألماني إيراني قد يكون إرهابيا) المنشورة بموقع 218 والتي تطرح الأسئلة نفسها تقريبا من زاوية أخرى، عبر قراءته لحوادث وقعت أخيرا في أوروبا تم التعاطي معها إعلاميا بشكل انتقائي أو موجه.

وبالعودة إلى مجمل الأسئلة يبدو أن لوسائل الإعلام المسيطَر عليها من قوى خفية أو معلنة طرقها المختلفة في التعامل مع الحوادث، وثمة مختصون وظيفتهم الصياغة الدقيقة للخبر أو التعليق بما يخدم رغبة هذه القوى التي تنتمي إليها وسائل الإعلام، سواء كانت دولا تتبعها ومعروف توجهاتها، أو شركات تمولها ولها حساباتها السياسية الخاصة التي تشكل عنصرا مهما في السوق الإعلامية التي تحول فيها الخبر إلى سلعة والرأي العام إلى قوة شرائية.

ثمة مداخل متعددة يمكن من خلالها تحليل هذه الأسئلة وغيرها، اقتصادية أو سياسية أو مهنية، وسيظل التعامل معها عبر فلسفة الأخلاق المدخل الأهم لسبر صراع القيم العنيف الذي جعل الإعلام أداة تلاعب بالعقول بدل أن يكون أداة للتنوير وللبحث الجاد عن الحقيقة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : عبير دندشي

    15.08.2016 الساعة 13:12

    أستاذ سالم، الإجابة على أسئلتك معقّدة لأن لها كما استنتجت من تعليقات أصدقائك مداخل كثيرة. وهذا الأمر هو الذي يحتّم على أي باحث فيما يسمى بالعلوم الاجتماعية والإنسانية أن يحدّد في مقدمة بحثه أداتَه أو أدواتَه النظرية التي سيستند عليها في تحليله. وسأسرد مثالاً على الاختلاف في تعاطي الإعلام مع الحدث والأسباب الفرضيّة هذا الاختلاف: أعيش في فرنسا منذ عقود وأتابع بشكل خاص البرامج السياسية، منها مثلا لم يأخذ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ولو لحلقة واحدة موضوعاً له. قد نفهم أن هذا الموضوع يشبه القنبلة والتعاطي فيه كمن يلعب بالنّار بسبب الوجود القوي للجالية العربية عدداً والوجود القوي بالمقابل اقتصاديا وإعلاميا لأنصار الصهيونية ويستحسن بالتالي تفاديه. كذلك يحدث مع المأساة في اليمن التي بالكاد يذكرها الإعلام، وإن فعلَ يختصر الأمر بذكر الخطوط العريضة للأحداث دون التوقّف عندها ودعوة متخصّصين لمناقشتها. نتساءل لماذا هذا التعاطي الخجول مع التراجيديا اليمنية؟ وأحد الأجوبة قد يكون في المصالح الاقتصادية الهائلة مع دول الخليج المشاركة في التحالف الذي تقوده السعودية. في الحالة الأولى قد يكون الجواب اجتماعيا وفي الثانية اقتصاديا. ما أريد التنويه إليه فقط هو أن الصحافيين كما رجال السياسة تتجاذبهم ككل البشر عواطف ومشاعر قد تتناقض فيما بينها وقد يحدث بوعي أو لا وعي منهم أن يكون الموقف المعلن موجها إيديولوجيا. ولأنّ بعض الظنّ إثمٌ دعونا نقول أن مواقفهم وتعاطيهم مع الأحداث في غالبها لا واعية خاصة في الصحافة اليومية حيث ينقص الوقت لوضع مسافة بين الذات والحدث (نستثني هنا إعلام اليمين المتطرف). طبعاً هذا ليس تبريراً لأن من يملك الكلمة العامة عليه أن يعي مسؤولية خطابه وتبعياته. وتبقى الكلمة أكثر الأسلحة تدميراً.