الدولة كما يريدها الليبيون

عمر الكدي |
عمر الكدي

لم تكن في ليبيا دولة طوال عهد القذافي الذي عبث بمؤسسات الدولة كما كانت عليه في العهد الملكي، وحولها مع الوقت إلى "دولة حقراء" كما وصفها في كتابه الذي حمل نفس العنوان، ومن شروط الدولة العصرية وجود دستور يستفتى عليه الشعب، ووجود مجلس للنواب يحاسب الحكومة، بالإضافة إلى مؤسسة القضاء المستقلة وكذلك الأحزاب والإعلام الخاص المستقل، وفي عهد القذافي لم يكن يوجد أي من هذه المؤسسات، وإنما اختزل الدولة في خيمة يصدر منها أوامره.

واليوم نعيش مخاضا صعبا لميلاد الدولة ولم نتفق بعد على الدستور، وهو العقد الاجتماعي الذي يعرف المواطنون من خلاله حقوقهم وواجباتهم، كما أن مجلس النواب معطل منذ أن قرر رئيسه عدم منح الثقة لحكومة الوفاق بالرغم من أغلبية النواب الذين وافقوا على منح الثقة، كما أن الأحزاب التي تأسست بعد عام 2011 لا تستطيع تبني خطاب يجمع الليبيين، ووضع خطة للخروج من هذا الخراب، وكل ما يفعله زعماء هذه الأحزاب الظهور المنتظم على شاشات القنوات الفضائية لاتهام غيرهم بالمسؤولية على ما آلت إليه البلاد من فوضى، كما أن وسائل الإعلام تعطلت وكممت أفواهها منذ دخول فجر ليبيا إلى طرابلس، أما التي لا تزال تعمل فهي تعبر عن جهات متنفذة سواء في الداخل أو الخارج، وتحميها مليشيات مدججة بالسلاح، وبالتالي لا يوجد على الأرض ركن واحد من أركان الدولة.

رئيس مجلس النواب عقيلة صالح يريد جمع القبائل لتسليم السلطة إلى مجلس عسكري يدير شؤون "الدولة"، بينما يرى الفريق حفتر أنه الأجدر برئاسة المجلس العسكري، الذي قد يختار شخصيات مدنية في حكومة تتلقى الأوامر من الجنرالات، كما يحدث عندما تستولى الجيوش على السلطة وتعلن حالة الطواريء، بينما يريد المفتي المعزول الصادق الغرياني دولة دينية تطبق فيها الشريعة الإسلامية، ولأنه متبحر في الشريعة فسيكون المرشد الأعلى للدولة، ويتفق معه في هذا الرأي أنصار الشريعة والجماعة الليبية المقاتلة والبعض من جماعة الإخوان المسلمين وحتى السلفيين، بينما يريد التيار المدني مثل تحالف القوى الوطنية دولة مدنية حديثة وانتخابات دورية، في حين يريد رئيس المجلس الأعلى للدولة عبد الرحمن السويحلي أي شكل من أشكال الدولة المهم أن يكون رئيسها، بينما لا يريد رئيس حرس المنشاءت النفطية إبراهيم الجضران أي شكل من أشكال الدولة حتى لا يحرم من الكنز الثمين في الهلال النفطي، ويتفق معه في هذا الرأي كل قادة المليشيات الذين كانوا عاطلين عن العمل قبل فبراير 2011، في حين يريد عبد الحكيم بالحاج دولة بشرط أن يسيطر أتباعه على مفاصلها العسكرية والأمنية لينصرف لتنمية ثروته التي هبطت عليه من السماء بعد 20 أغسطس 2011، أما أتباع تنظيم داعش من الليبيين فيريدون دولة يحكمها العراقي أبو بكر البغدادي وقطع أكبر عدد من الرؤوس.

كل هؤلاء يملكون المال والسلاح لتصميم دولتهم على قامتهم بغض النظر عن رأي مواطني البلاد، وكل هؤلاء تسببوا في الأزمات التي يعاني منها المواطن الذي لا يريد من الدولة إلا توفير السيولة النقدية في المصارف، وتوفير الدواء في الصيدليات، وتوفير الخبز في المخابز، وتوفير الكهرباء وتخفيض سعر الدولار، ولا يعنيه من يكون على رأس الدولة طالما توفرت كل هذه الضروريات حتى ولو بعث القذافي حيا وعاد ليحكم دولة الحقراء.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : علي اعبيد

    2.09.2016 الساعة 15:52

    تشخيص دقيق للواقغ.. بوركت