ركن العامرية .. الطبيب والفقي والأمية

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

من النوادر الليبية التي على غرار حكاية المليون حافظ، يُشاع أن في بلاد العلمانية والإنسانية يعيش سبعة آلاف طبيب ليبي. هذا الرقم، في الحقيقة وبعيداً عن المبالغات الليبية المذهلة، يمثل فقط سبعة أضعاف الرقم الحقيقي تقريباً!

وينتشي الكثيرون من نجاحنا الفاشل في قهر الأميّة وهذه حقيقة مدعومة بأرقام الأمم المتحدة، إلا أن لهذه الحقيقة الحلوة مرارة.. فقد انحصرت محو أميّة الفرد الليبي في مقدرته الفذّة على قراءة الجهل بدلاً من سماعه شفاهة. في الواقع ما أنجزه نظام التعليم منذ تأسيسه هو محو نوع واحد فقط من الأميّة، لكن المقلق أن هذا المنجز ساعد على ترسيخ النوع الحقيقي لها وهو "الأميّة العلمية". هكذا تكلم الأديب الراحل النيهوم في غابر الأيام و قبل قراره التزام الصمت للأبد بعد فقدان الأمل!

والحديث عن بلادنا، فغالباً ما ينتهي المطاف بأوائل طلاب الثانوية في مشرحة كلية الطب أما الراسبون، أعني الناجحين من الدور الثاني و الثالث فقد يصل بهم نجاحهم هذا إلى تشريح كتب الأولين، تلقيناً و تلقيماً، بهوامشها وهوامش هوامشها!

وقد لا يترك حفظ المخ للحقائق الطبية متسعاً لتخزين أي من العلوم الأخرى، وقد يولِّد النجاح في مجال الطب هالة عظيمة من الفخر تحيط بصاحبه فتمنعه من بذل الجهد لتحصيل أي من العلوم المعنية بالفكر والثقافة، كذلك لا يمكن الغفو عن الأثر الناجم عن حجم رأس الإنسان الليبي والذي يجعله لا ينظر إلا في اتجاه واحد وبعين واحدة نصف مغمضة!

أما الآخرون بعمومهم، فإن قدراتهم الذهنية والإدراكية لا تسمح لهم إلا الحفظ وحذلقة الكلم، وبذا تتساوى تقريباً المخرجات الفكرية والثقافية بين الأوليين والآخريين فكلهم بات اليوم في مصاف صفوة الصفوة..! وهكذا تشع الخوارق الليبية بالتقاء عقلي متجانس بين الطبيب والفقي في النهاية في نقطة البداية.. أقصد التمترس خلف سياج "الأميّة العلمية " أو الفكرية، كما أسميها، وتشمل السياسية والاجتماعية والثقافية ولا استثني الدينية!

وقد نتفق في أن الأطباء في الخارج يمثلون صفوة صفوة الصفوة الليبية..! ومع هذا، و باستمرار مفعول تعويذة الخوارق الليبية، تكون الأميّة الفكرية قد بلغت عند بعضهم مبلغاً حرجاً ومحرجاً للغاية!

يُبتعث غالبيتهم بأموال القار فيطيرون بها لدول العلم والعلمانية، حيث الفكر المنعوت بالكفر والملعون بالإلحاد.. هناك قد يمضي الواحد من صفوة صفوة الصفوة سنوات مديدة وسعيدة بين الدراسة والممارسة في مجال الطب.. فقط لا غير..! فالفكر يظل منغلقاً على ذاته مخافة الضياع.. إلا من رحم ربي.

ولا ننكر أن منهم من إن تحدث طباً أبان وأصاب، لكنه إن تنحنح سياسة طاش وخاب وإن تكلم اقتصادا ضاع وأضاع و إن عرّج على الإدارة صال فيها و جال و إن نبس ديناً تخاذل بعد امتشاق الحسام وإن تطرق للثقافة والفكر فهو ونحن حينها في حيص بيص، و هذه لعمري سمة الخوارق الليبية.

وبعد تلكم الارتكاسة الخرافية فقدت صفوة صفوة الصفوة الروح الفاعلة ورزحت كما الفقي تحت ظلال اليحموم للقبيلة والمدينة وساح منها التفكير والتدبير وانكفت على عجز السياسة و سياسة العجز فعاشت الوهم واقتات على الخيال والخيلاء وتجرعت الفشل.. فكانت الخيبات المدّوية في إدارة المستشفيات وتمنعني خيبتي من التطرق إلى ما حلّ بقطاع الصحة المعلول ولن أشير إلى ذاك التعليل المهزوم من بعض ممن هم من الصفوة.

فإن كانت الصفوة تقف باحترام حد الذهول أمام من يعتقد أنه الأقرب إلى العلي القدير فذلك يكشف عن عمق الضمور الفكري العام، أعني أن هذا هو بالذات موضع الجرح والجرح عميق ويحتاج إلى مبضع جراح مكين أمين.

وأضيف والخجل يقتلني أن من تحرسه الخزعبلات وتسيطر عليه الأساطير يكون أي شيء إلا من الصفوة. ومن يتنازل عن رأسه لتتقاذفها أيدي الموتى عن طريق أنصاف أحياء ليمشي مزهواً بلا رأس فليس من الصفوة.
و من يأكل التراث أكلاً لمّا و يحترم المال احتراماً جمّا لا يكون من أي صفوة. وإذا كان هذا حال صفوتنا، إلا من رحم ربي، فما بالك بحال اللاصفوة من التعساء الأشقياء! قد قسوتُ اليوم و أطلت. ربما.. فخيباتنا وخيبات الوطن برماله وبحره وسمائه وجميع إنسه وجنّه باتت بحجم الكون.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات