ما هكذا تساق السيادة

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

أصبح الرقم 42 عاماً يعادل صفرا في ذهن من لا يجيدون الحساب مع التاريخ، بعد أن اختزل هذا الرقم في فترة حكم القذافي فقط الذي كان شعراؤه المقربون يقولون : "ثلاثين عام شموخ" في الذكرى الثلاثين للانقلاب. أما اللاحقون فيقولون بالطريقة نفسها: 42 عام خراب.

وفي الحالتين يغيب التاريخ، أو يختزل تاريخ مجتمع، في جانبه السياسي فقط، ويختزل التاريخ السياسي في كونه جنة عدن أو جهنمَ حمراء، ولا منطقة وسطى بينهما. نحن عشاق التهليل لمراحل من تاريخنا لدرجة تأليهها، أو عشاق المحو لمراحل من تاريخنا لدرجة انمحائها من الذاكرة، وفي الحالات جميعها نخسر التاريخ ودروسه ونخسر ذاتنا الجمعية وهويتنا.

تنظيف الماضي بمكنسة خشنة هي طريقة لتمكين حاضر، قد يكون أسوأ، لكي لا تبقى ذاكرة تقارن أو تستلهم ، فجزء من سيكولوجية المستبد الهوس بمحو الذاكرة الطقوسي الذي يجعل بدايته تشبه بداية الإله أو النبي. إنه نوع من أسطرة السلطة وجعلها مطلقة، ليس ثمة ما قبلها إذن ليس ثمة ما بعدها، والقذافي تصور أنه بدأ من أبدٍ فكان لابد أن يكون الفاتح أبدا، وحين نفعل الشيء نفسه الآن فإننا نصنع ركيزة أخرى للاستبداد.

هكذا فعل النظام السابق مع الحقبة السابقة له، وتوقف التاريخ عند شنق عمر المختار ليبدأ مع الأول من سبتمبر عام 1969، وما بينهما يشبه رقدة أهل الكهف. ولم يكن خروج إكسسوار تلك الحقبة في الميادين إبان الانتفاضة إلا ردة فعل تلقائية على ذلك المحو الممنهج ، ولتعرف الأجيال اللاحقة أن له ذاكرة ولها أرضية دولة مدنية من الممكن أن تبني عليها مطالبها الجديدة.

أُقصيتْ مرحلة مهمة من ليبيا، نالت فيها استقلالها المعجز، وأسست دولتها وكوادرها وتشريعاتها وعلاقاتها مع العالم، أُقصيت بجرة قلم، وأُبعدت عن مناهج التاريخ المدرسية، أو شُوهت في بحوث التاريخ المؤدلجة، أُقصي تاريخ النضال السياسي وتحول تاريخ ليبيا إلى سلسلة من المعارك والملاطم في كل مكان، وكأن الليبيين لا يجيدون شيئا سوى إطلاق الرصاص، وصرنا مجتمعا لا يقدس سوى الشهداء، وفي جميع المراحل، أما من يبقى على قيد الحياة فهو خائن أو متخاذل، أو عميل سلطة أو جبان. ليصبح الموت شعارنا الصادح، ومؤشر النزاهة والوطنية الوحيد، فلا حل لك سوى أن تستشهد كي تثبت أنك وطني ونزيه. ودائما كنا ندفع ثمن البدايات الصفرية من ميراثنا من خبرتنا من هويتنا ومن ذاكرتنا، ودائما كنا نقفز من فراغ إلى فراغ.

من يتشدقون بالسيادة هم من يطلبون الآن بشكل علني التدخل الأمريكي في خليج سرت

مر حكم القذافي بكل مراحله المختلفة وانقلاباته على نفسه، له الكثير من المؤيدين، سواءً عن قناعة أو عن مصلحة أو خوفا، وله الكثير من المنتقدين، والكثير من المحايدين، وكثير ممن تصادموا به ودفعوا الثمن، وكثير ممن نافقوه وقبضوا الثمن، وهذا هو تاريخ الشعوب التقليدي في علاقتها بحكامها. لكن المزايدة المُغضة بصرها عن الحقيقة، أو دغدغة مشاعر الناس اعتمادا على ضعف ذاكرة المجتمعات أو تمثلهم لسرد التاريخ المشوه، هي ما تجعل المستقبل مشوشأ وغائماً.

فانتقال الحديث الآن، بعد 5 سنوات من سقوط النظام، إلى شعارات الحفاظ على السيادة الوطنية، ونسيان الأهداف التي انتفض من أجلها جل الشعب، يؤكد هذه العلاقة الملتبسة مع التاريخ، لأنه إذا كان ثمة ما يحسب لهذا النظام قبل سقوطه فهو حفاظه على السيادة الوطنية، بل وبشكل مبالغ فيه أدى في بعض الأحيان إلى تصادم مسلح مع قوى كبرى، ولم يقتصر هذا الحفاظ على السيادة على التراب فقط لكنه ذهب عميقا حتى في مياه المتوسط، وسأضرب مثلا بهذا المقتطع من سرد حادثة خليج سرت منقولاً عن الموسوعة الحرة ـ ويكيبيديا : "مجموعة من الاشتباكات العسكريّة حدثت في خليج سرت عام 1986 بين القوات الأمريكيّة والقوات الليبية، في ربيع عام 1986 نشرت القوات البحرية الأمريكية مجموعة من حاملات الطائرات في البحر المتوسط وبشكل محدّد في خليج سرت المتنازع عليه، اعتبرت ليبيا هذا انتهاكاً لحرمة أراضيها وانتقاصاً من سيادة البلاد على خليج سرت، خصوصاً بعد تصريح الزعيم الليبي معمر القذافي عام 1973 بأن خليج سرت ليبي ويخضع لسيادتها وحدد خط عرض 32 (115 كيلو متر عن الشواطئ الليبية) كنقطة لا يجوز تجاوزها إلا بإذن مسبق من السلطات الليبية ولقّبه بخطّ الموت وسيّرت دوريات مراقبة بحرية وجوية عبره، لكن الولايات المتحدة رفضت التصريحات الليبية واعتبرت خليج سرت مياه [كذا] دولية ومن حقها إجراء مناورات فيه وأن المياه الإقليمية الليبية لا تتعدى حزام 19 كيلو متراً حول الشواطئ الليبية"*.

ومن يتشدقون بالسيادة هم من يطلبون الآن بشكل علني التدخل الأمريكي في خليج سرت بالذات ـ ومع أن الظروف مختلفة، ويأتي هذا في سياق الحرب على الإرهاب الذي تحول إلى ترخيص مفتوح للتدخل في أي مكان من العالم. الإرهاب الذي دخل ليبيا عبر معابر رسمية وتسهيلات لوجستية محلية وإقليمية وأصبح الورقة التي تتلاعب بها هذه التيارات بعد أن فقدت أوراق اللعبة الديمقراطية.

لست بصدد الدفاع عن نظام سقط غير مأسوف عليه، وكان لابد أن يسقط كأي نظام متبجح لا يحترم الماضي ولا يتطلع إلى المستقبل، لكني معني بفضح لعبة الذين يحاولون الضحك علينا هذه المرة بشعارات السيادة الوطنية، والجميع يعرف أن انتفاضة فبراير لم يكن هذا هدفها لأنها قامت وليبيا تتمتع بكل السيادة على أرضها ومائها، وأن هذه الانتفاضة من أجل مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية لم يتحقق منها شيء حتى الآن، بل تراجعت وغابت تماما في ذهن مواطن أصبح همه الوحيد الأمن والخبز.

* أول مواجهة قتالية جوية بين ليبيا وأمريكا بشأن خليج سرت وقعت في 19 أغسطس 1981م. (المحرر).

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : ادريس امنينة

    13.08.2016 الساعة 10:26

    التاريخ يكتب مرة واحدة

  • بواسطة : خالد مصطفي محمد

    7.08.2016 الساعة 14:22

    فرق كبير بين الوطنية و طموح زعيم ... سيتوقف التاريخ طويلا علي حقبة تعتبر الاطول في تاريخ ليبيا