المجتمع المدني والمجتمع الأهلي والدولة

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

ارتبط "المجتمع المدني" نشوءا وتسمية بالمدينة، وبالذات المدينة اليونانية التي كان أرسطو يعتبرها منظمة مدنية برمتها وكان يرى في التنظيم السياسي للمدينة انبثاقا طبيعيا عن المراحل التالية للأسرة والقرية [Boris De Wiel, A Conceptual History of Civil Society: From Greek Beginnings to the End of Marx بورِس دى ويل، تاريخ مفهوم المجتمع المدني: منذ البدايات اليونانية إلى نهاية ماركس.

https://ejournals.library.ualberta.ca/index.php/pi/article/viewFile/1422/963] وفي المدينة اليونانية جرى التمييز بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني [صالح السنوسي. إشكالية المجتمع المدني العربي. العصبة والسلطة والغرب. الهيئة المصرية العامة للكتاب. 2012] ليس على صعيد المصطلح وإنما على مستوى المصلحة [السنوسي]. أي بين العمل من أجل المصلحة الخاصة والعمل من أجل المصلحة العامة و الإسهام في إدارة المدينة. وهذا استتبع أن تشتق من اللفظة الدالة على المدينة في اليونانية Polis لفظة السياسة Policy، بمعنى تدبيرشؤون المدينة و Police حارس المدينة و Politness تهذيب [السنوسي] أي تمدن. وفي الإنغليزية منحت اللفظة الدالة على المدينة، وهي city، لساكنها صفة المواطن citizen، أي ساكن المدينة أو المديني، ثم، على مستوى الدولة، المواطنية أو الجنسية citizenship أي المدينية.

لكن مفهوم المجتمع المدني لم يعد يعني "مجتمع المدينة" تمييزا له عن مجتمع الريف مثلا، وإنما اتخذ مفهوما جديدا في الأزمنة الحديثة بحيث أصبح يعني المنظمات التي يشكلها مواطنون طوعا لتدافع عن مصالحهم، مثل التجمعات والاتحادات النقابية، أو تقوم بنشاط ثقافي أو فني ما مثل الفرق المسرحية وغيرها من الجمعيات الثقافية والأندية الرياضية، غير الربحية والجمعيات الخيرية. وبذا يمكن تعريف المجتمع المدني حسب هِلمَت آنهاير Helmut Anheier بأنه: المجال الواقع خارج نطاق الأسرة والحكومة والسوق، حيث يتجمع الناس طواعية لرعاية مصالحهم المشتركة المبنية على التمدن Civility [أورده بروس سيفرز في: ما هو المجتمع المدني؟ Bruce Sievers, What Is Civil Society? http://www.giarts.org/article/what-civil-society]

هناك من يربط نشوء المجتمع المدني بنشوء الدولة، إلا أن ثمة من يرى، مثل جون لوك [السنوسي] أن المجتمع المدني في أنويته الأولية سابق على نشوء الدولة التي تطورت عن المجتمع المدني. وكان لوك من المفكرين الذين لا يفرقون بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني ويستعملهما بمعنىً، وكان من الذين يعتبرون المجتمع المدني اتحادا سياسيا مبنيا على ترتيبات تراضٍ ضمني بين أفراد المجتمع. قبل هذا الاتحاد السياسي، أو المجتمع المدني، لم تكن ثمة سوى حالة الطبيعة [De Wiel]. وهذا تصور منطقي يدعمه مثال ساطع في التاريخ الحديث هو نشوء الدولة في أمريكا، التي تطورت عن تكوينات المجتمع المدني المقامة من قبل المهاجرين الأوربيين هناك. فأمريكا هي دولة مجتمع مدني إلى درجة أنه هناك من يرى أن دولة الولايات المتحدة الأمريكية لا تحتاج، بشأن إدارة الشؤون الداخلية، إلى رئيس دولة. هي تحتاجه فقط لإدارة العلاقات والشؤون الخارجية.

بعد هذا نود مناقشة الاعتقاد السائد لدى قطاع واسع من الناس حول وظيفة منظمات المجتمع المدني والنظر إليها باعتبارها تعمل ضد الدولة.

الحقيقة أن هذا التصور خاطيء تماما. فقد رأينا تاريخيا أن الدولة كانت في كثير من الأحيان، على الأقل، انبثاقا عن منظمات المجتمع المدني. كما أن أهم الوظائف التي تُعرَّف بها مؤسسات المجتمع المدني هي أنها تلعب دور الوسيط بين الفرد والدولة. وإذن فعمل منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك الأحزاب، يتكامل مع وظيفة الدولة ومؤسساتها ولا يتجه ضدها. فـعبارة "المجتمع المدني ترد في الاستعمال الحديث ليس بالتعارض مع حالة الطبيعة وإنما بالتعارض مع الدولة غير المقيدة السلطات "…the powers of the positive state [De Wiel] وإذن يمكن القول، بعبارة أخرى، أن العمل المضاد الذي يمكن أن يصدر عن منظمات المجتمع المدني وهيئاته إنما يتجه ضد "السلطة" وليس ضد "الدولة". على اعتبار أن السلطة قد تسيء استخدام مؤسسات الدولة، وأحيانا تكون سلطة جائرة أو شمولية واستبدادية فتغتصب مؤسسات الدولة وتعطل وظيفتها وتنحرف بها نحو غايات أخرى. وعلى هذا الأساس ينبغي التمييز بين أضلاع مثلث المجتمع المدني والدولة والسلطة، في علاقتها بالمجتمع في عمومه.

لكن في الأحوال العادية تتكامل وظيفة مؤسسات المجتمع المدني مع وظيفة مؤسسات الدولة في إدارة شؤون المجتمع على أفضل وجه ممكن، بل وتقوم أحيانا بوظائف تُقصِّر فيها الدولة أو تعجز عن القيام بها، كما هو الشأن في حالة الجمعيات الخيرية (تكفي هنا فقط الإشارة إلى "جمعية المكفوفين" التي تأسست في بنغازي 3 ديسمبر 1961). فـ "المجتمع المدني والدولة مرتبطان معا برباط الدستور والتقاليد التي تشدد على التزاماتهما المشتركة بينهما وحقوقهما كلا إزاء الآخر" كما يؤكد شلز Shils [De Wiel]

نقطة هامة أخرى تتعلق بمصطلحين كثيرا ما يتم التعامل معهما كمترادفين، وهما مصطلح "المجتمع المدني" ومصطلح "المجتمع الأهلي". والواقع أنه ثمة فارق كبير بينهما. وهو أن المجتمع الأهلي يتعلق بالمجتمعات غير المدينية ومجتمعات ماقبل-الرأسمالية وماقبل- الحداثة. فالقبيلة مؤسسة من مؤسسات المجتمع الأهلي، وينظر إليها بهذا الاعتبار لأنها مبنية على تراتبية وتوفر مستوى عاليا من التكافل بين أفرادها وترعى مصالحهم وتحميهم وتنظم علاقاتهم مع المؤسسات القبلية الأخرى ومع الدولة. الطائفة أيضا مؤسسة من مؤسسات المجتمع الأهلي. كما أن مؤسسة الأحباس أو الأوقاف في تقليدنا الإسلامي هي مؤسسة أهلية خيرية ترعى وتدير بعض المناشط العامة من مثل مؤسسات التعليم والمساجد. وأيضا تعتبر الطرق الصوفية من مؤسسات المجتمع الأهلي. بعض مؤسسات المجتمع الأهلي، مثل القبيلة والطائفة، ليست طوعية.
أخيرا، يرتبط المجتمع المدني بالطوعية والتعددية، وهذه ترتبط بالديموقراطية التي ترتبط، بدورها، بالعلمانية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات