"غني يا أستاذ!"

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

يوم 4 سبتمبر 1969، أي بعد ثلاثة أيام من قرار حظر التجول الذي أصدره مجلس قيادة ثورة القذافي، خرج الناس إلى الشوارع يعبرون عن فرحتهم. في ذلك اليوم انطلقت سيارة جيب تطوف الشوارع يقودها أحد شباب بنغازي المعروفين. كان ركابها مبتهجين بالثورة، وأيضًا من السكرة. كانوا يحتسون (البوخة) مباشرة من الزجاجات الخضراء، رخيصة الثمن التي ينتجها مصنع (شويرب) الكائن خلف مقر المسرح الشعبي بجوار مستشفى (بورزدوشمو). كان الشباب سكارى، ولقد توقفوا أمام مبنى الإذاعة في شارع أدريان بلت، وأخذوا يقرعون طبول الغيطة ويهتفون لثورة سبتمبر وبسقوط الملكية. بعد ساعتين صدر قرار من القذافي، شخصيًا، يمنع بيع وشرب الخمور. قفل (شويرب) المصنع وعاد إلى مالطا.

بعد بضعة أشهر نفد مخزون الخمور الرخيصة في البلاد فتأزمت حالة مدمني وكذلك محبي الكحول في بنغازي، فاتجهوا إلى تصنيعها. من لم يقتلهم سوء تصنيع الكحول فقدوا أبصارهم، غير أن الكثير من المستنيرين اتجهوا إلى منقوع امرؤ القيس من البلح أو العنب، أما تلك الفئة التي تحب جلسة الخمر من أجل الانتشاء والغناء فاتجهت إلى منطقة (اللثامة) لما للجلسة هناك من رونق تحت النخيل بالقرب من البحر في الأماسي الرائقة، فيما تزيد أوتار العود أو القانون من الشجن والبهجة. كان أهل المنطقة يعرفون كيف يستحلب شراب (اللاقبي) من لب النخلة، وهو ما يسمى الجمّار. شراب اللاقبي، أو اللاقمي كما يسمى في اللغة العربية، معروف ويتناوله سكان الواحات كعصير منعش وهو طازج، ولكن إن تخمر يصير مسكرًا. حضرت في شبابي جلسة أو اثنتين رفقة بعض الأصدقاء. في إحداهما كان أحد رفاقنا فنانًا يجيد العزف على العود. وفيما كان مأخوذًا في عزفه عكّر أحدهم انسجامه فتوقف. وقال مازحًا موجهًا كلامه إلى: "(وينك) يا عبد يوسف؟" وانفجرتُ وصديقي العازف ضاحكين.

قصة (غني يا أستاذ) في حد ذاتها ذكرتني بواقعنا، أو بواقعي أنا تحديدًا، فإما أن (يغني) الكاتب مثلما يريد الفرقاء في ليبيا أو أن يثقب رأسه برصاص

كان صديقنا الفنان يوسف العالم قد أخبرنا عن حادثة وقعت في اللثامة أيام الحرب العالمية الثانية، لعلها في ليلة من ليالي سنة 1943 أو 44. قال لنا: "إن زنجيًا ضخمًا من زرايب العبيد كان حينها بمثابة حاكمها، وكان مجرمًا شرسًا وتخشاه الزرايب كلها، ولكنه كان محبًا للفن. ذات ليلة كان قد استضاف عازف عود مشهورًا من بنغازي اسمه مصطفى، وفيما كانوا منسجمين، مصطفى يعزف والزنجي الحاكم يزداد طربًا: "الله يا أستاذ مصطفى. الله يا أستاذ"، كان أحد مرافقي الزنجي يعكر الجلسة بتعليقاته وضحكاته المتواصلة، ولقد نهره الزنجي الحاكم مرات ومرات، ولكن وبفعل (اللاقبي) لم ينصع له ذلك المشاكس. وفي وصلة تسلطن فيها الحاكم، فيما علا صوت رفيقه المزعج. فسحب مسدسه وأطلق رصاصة ثقبت جمجمته، فسقط في الحال والتفت نحو مصطفى، وقال له: "غني يا أستاذ!" أخذ مصطفى المصدوم يردد: "حاضر. حاضر. حاضر"، ولكنه لم يستطع الغناء، احتضن عوده وانهمرت دموعه من الرعب. هذه قصة حقيقية. المرحوم مصطفى توفاه الله منذ فترة، أما الأستاذ يوسف الذي حكى لنا الحكاية نبتهل أن يطيل الله في عمره ويمتعه بالصحة.

هذه الحكاية وظفتها كمدخل بسبب واقعيتها، لقراءتي لرواية الكاتبة نجوى بن شتوان (زرايب العبيد) المبنية على واقع يعرفه جيلي والجيل الذي سبقني. ولكن قصة (غني يا أستاذ) في حد ذاتها ذكرتني بواقعنا، أو بواقعي أنا تحديدًا، فإما أن (يغني) الكاتب مثلما يريد الفرقاء في ليبيا، أو أن يثقب رأسه برصاص حارق خارق أو يتركوه على الرصيف يتسول قوته. وأنا لا أريد أحدًا أن يثقب رأسي، ولا أريد أن أثقب رأس أحد، فنحن من جيل صادق النيهوم الذي قال في روايته عن الحيوانات، على لسان الفيل، أو الأرنب فلا فرق: "نحن لا نأكل أحدًا ولا نحب أحدًا يأكلنا. لا نأكل أحدًا ولا نريد أحدًا يأكلنا، لا نأكل أحدًا ولا نترك أحدًا يأكلنا، لا نأكل أحدًا ولا ننتظر أحدًا يأكلنا"، غير أنني لا أريد أيضًا أن أكون شيطانًا أخرس. فكيف الرأي؟ أنغني أو لا نغني؟ ثم هل يا ترى تطرب أغانينا الناس؟ هل هي مسموعة؟ هل تعلو لعلعة الرصاص؟ أم هي (كضرطة وبار)؟ أم نصمت كي لا نفسد هذه الغيطة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات