مجتمعات ما قبل-الحداثة والديموقراطية

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

لفترات طويلة، ساد اعتقاد، ولعله مازال سائدا، بين أوساط اليسار وتيارات الفكر القومي بأن الجماهير تعي مصلحتها وأنها ثورية بطبيعتها. والمعني هنا، بطبيعة الحال، الجماهير الشعبية. وهو تصور طفولي ورومانسي يحلق عاليا فوق الواقع. إنه اعتقاد نابع من نوع من "تقديس" الجماهير وافتراض أنها دائما على صواب. هو اعتقاد ينبع من الأماني والرغبات، وليس متشكلا من معطيات الواقع الحي وحركة التاريخ العيانية.

تمكن الإشارة، في هذا السياق، إلى واقعة تاريخية من التاريخ الأوربي طريفة وصادمة أشار إليها، عرضا، المخرج السنيمائي الأسباني لويس بونويل في كتابه "مذكرات بونويل" [ترجمة: مروان حداد. الهيئة المصرية العامة للكتاب. 2015] وهو أن الشعب الأسباني كان "يصيح: تحيا السلاسل. لدى عودة آل بربون كرها بالأفكار اللبرالية التي أدخلها نابليون".

تمكن الإشارة أيضا إلى أن طغاة من أمثال موسوليني وهتلر كانا يحظيان بتأييد شعبي واسع. فالأول زحف على روما في حوالي أربعين ألفا من أتباعه، أما الثاني فقد تقدم حزبه على الأحزاب المنافسة جميعها بنسبة 33% في انتخابات عام 1932.

وحتى زعماء أنظمتنا الاستبدادية كانوا يحظون بغطاء شعبي يدعم استبدادهم ولم تَمِل كفة الميزان ضدهم إلا عندما عمموا الاستبداد على الجميع، تقريبا.

والوضع الليبي حاليا يثبت خطأ هذا التصور، فكتل غالبة في بعض المدن وبعض القبائل تسير وراء جنون بعض الأشخاص فيها مهدرة ثروتها البشرية ومدمرة مقدرات الوطن رامية به إلى الضياع، وربما حتى التلاشي.

في تقديري، لو أن الجماهير تعرف مصلحتها بشكل مباشر وتلقائي لما فاز الإسلاميون في الانتخابات الجزائرية التي جرت هناك سنة 1991، ولما فازت حماس في فلسطين في الانتخابات التي جرت هناك سنة 2006 على حساب المنظمات والقوى اليسارية والوطنية الفلسطينية التي ناضلت نضالا مشهودا ضد العدو الصهيوني ومشروعه الاستيطاني طيلة عقود مقدمة تضحيات باهظة. لو أن الجماهير تعرف مصلحتها على نحو واضح وجلي لما فاز الإسلام السياسي بتوجهه الفاشي المعادي للديموقراطية والحريات العامة في الانتخابات التونسية سنة 2011، والانتخابات المصرية سنة 2012.

ينبغي إدراك أن الجماهير الشعبية في منطقتنا العربية والإسلامية أبعد ما تكون عن الوعي بمصلحتها وأبعد ما تكون عن قبول مباديء الديموقراطية ودعمها.

ينبغي الاعتراف بهذه الحقيقة المرة الجارحة.

وأبرز سبب وراء رسوخ هذه الذهنية هو، في اعتقادي، استدامة وجود تكوينات اجتماعية قبل-رأسمالية في هذه المجتمعات مكنتها ظروف تاريخية مختلفة، في مقدمتها سياسات الأنظمة القمعية والاستبدادية، من إعادة إنتاج بناها الاجتماعية وبالتالي منظوماتها الثقافية. وهي تعتبر، بوضعها هذا، مجتمعات ماقبل-الحداثة. فالحداثة مرتبطة بانعدام وجود القبيلة واقتصار الوجود الطائفي والمذهبي على الانتماء الفردي دون أن يكون للطائفة أو المذهب ثقل اجتماعي يستتبع تأثيرا سياسيا.

فالديموقراطية مرتبطة بالحداثة والحداثة مقترنة بالعلمانية. ومن هنا فالديموقراطية مرتبطة بالعلمانية. قد تنشأ عن العلمانية توجهات فاشية وأنظمة شمولية أيضا.

لكن لا وجود للديموقراطية خارج العلمانية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات