مخالب الديمقراطية

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

لا يبدو أن العالم الديمقراطي الناشيء قد تجاوز مرحلة الانقلابات العسكرية، بل أحيانا تصبح وجيهة حين تصل بعض الفاشيات إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع، فاستبداد (الديمقراطية) المزيفة عادة ما يكون أكثر وحشية لأنه يفتك بالخصوم بذريعة الشرعية والدفاع عن الديمقراطية.

رغم مقتي للانقلابات العسكرية من واقع معاناة عشناها كليبيين جراء انقلاب 1969 الذي انحرف بمسار دولة قانون دستورية إلى استبداد شخص مخدوم بفوضى عارمة، إلا أني لن أنكر تعاطفي- الذي استغربته أنا نفسي ـ مع الانقلاب الذي حدث في تركيا، ليس لأسباب محلية تتعلق بكون نظام الحكم التركي يسهم بقدر كبير في تغذية الحروب الليبية عبر دعمه اللامحدود للجماعات المتطرفة التي تتناغم مع أيديولوجيا حزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة تحت مسمى الإسلام السياسي الذي يمتد من ولاية الفقيه في إيران إلى داعش مرورا بحركة الأخوان المسلمين.

ولكن لأسباب إنسانية تخص المنطقة برمتها وربما العالم، لأن وجود أردوجان شخصيا على رأس هذا النظام الديمقراطي يسبب قلاقل وحروبا في منطقة الشرق الأوسط والشمال الأفريقي، خصوصا أن شخصية أردوجان رغم شعبيتها التي رجحت كفتها في تركيا إلا أنها تخبيء دكتاتورا حقيقيا يلبس ثوب ديمقراطية مهتريء، بما يشبه أنظمة فاشية عديدة على مر التاريخ جاءت عن طريق صناديق الاقتراع عبر دغدغتها لوجدان الغالبية من الناخبين بشعارات دينية أو قومية شوفينية تصلح لحشد العدد اللازم من الناخبين الذين تحركهم عواطفهم أو غرائزهم. يقول سيد التلاعب بالعقول هتلر (الذي وصل إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع وبأغلبية ساحقة): "لكي أحصل على الموافقة أمام جمهور المستمعين أتوجه إلى أغباهم وإلى أسفل ما فيه، الغدد الدمعية أو الجنسية .. وأربح دائماً، أما الأقلية الناقدة فأنا أتعهد بهم بطريقة أخرى". انتهى كلام هتلر، والمقصود بالطريقة الأخرى الاعتقال والحكم بالإعدام كما يفعل أردوجان الآن مع هذه الأقلية الناقدة التي تمثل ضمير الدولة التركية العميقة، بعد أن وصل إلى السلطة عبر توجهه لغدد الغالبية وغرائزها. وسيظل هذا المسار أحد محاذير تطبيق الديمقراطية في المجتمعات التي لم تهيء لها أرضية علمانية، لأن العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية جدلية، أوـ ولا موضوع للنكتة هنا ـ الديمقراطية الخالية من العلمانية مثل ماء الشعير الخالي من الكحول.

لا يمكن لنظام مرجعيته عسكرية أن يكون ديمقراطيا لأن النظام العسكري بطبيعته يعتمد التراتبية وآلية الأوامر والتنفيذ المباشر دون نقاش، بل يعتبر رفض الأمرـ حتى وإن كان هذا الأمر ظالماـ خيانة تستوجب الإعدام، وهي بنية متسقة مع نفسها ولا يمكن تحقيق أي نوع من الديمقراطية في ظلها. ولا يمكن لنظام مرجعيته دينية أن يكون ديمقراطيا لأنها منظومة تعتمد التراتبية المقدسة والأمر والطاعة المطلقة، بل هي تعتبر سلطتها إرادة من الله، ما يجعل برنامجها السياسي مقدسا وأية محاولة لنقده أو معارضته نوعا من التجديف والكفر، وهذا ما أفصح عنه بوضوح نظام محمد مرسي الأخواني في مصر بمجرد وصوله إلى السلطة والذي استخدم نوعا من الدعاية الدينية في برنامجه الانتخابي موجها إلى غدد الأغلبية الغلبانة التي يمكن الضحك عليها بالمسبحة الطويلة وعلامة الصلاة على الجبين.

في الحالتين يصبح التفكير في نظام ديمقراطي تفكيرا غير منطقي وغير متسق وغير عقلاني، ومن هنا يأتي الجدل التاريخي والفكري بين الديمقراطية كمنجز سياسي حديث والعلمانية كأرضية صلبة لفكرة التعايش والحقوق المتساوية والتسامح، وهذا ما يجعل النظام ذا المرجعية الدينية سرعان ما ينقلب على الديمقراطية بمجرد الوصول إلى السلطة في حالة اتساق طبيعي مع منظومته وثقافته الأصيلة، وهذا التناغم بين المنظومتين، العسكرية والدينية، في السياسة، هو ما جعل المفكر الإيراني، داريوش شايغان، في كتابه: النفس المبتورة، يصف القذافي والخميني بالنموذجين اللذين عهرا الديمقراطية. وأضيف لهما من جانبي النموذج الثالث أردوجان الذي يعهر الديمقراطية بحديثه المتواصل عنها وهو يفتك بقيمها وأخلاقياتها.

لقد تعاطفت مع انقلاب تركيا، رغم مقتي لفكرة الانقلاب العسكري، لأنني رأيت في نهاية نظام أردوجان حلا لكثير من مشاكل المنطقة، ورأيت في نهايته شخصيا حقنا لدماء مئات الألوف الآخرين في سوريا والعراق وليبيا وربما في دول أخرى قادمة.

تعاطفت مع هذا الانقلاب بشكل براغماتي، لأني اعتقدت، ومازلت اعتقد، لو أول انقلاب على هتلر نجح لوفرت البشرية أكثر من 30 مليون قتيل وأكثر من هذا العدد نازحين، هتلر الذي جاء مثل أردوجان إلى السلطة عبر انتخابات نزيهة، وساقه تعصبه إلى الجنس الآري إلى أن يكون أحد مجرمي التاريخ الذي حلم بإمبراطوريته الآرية النقية فوق الكوكب، مثلما يتعصب أردوجان إلى الجينة العثمانية التي يحلم بعودة امبراطوريتها الغاربة وخلافته عليها.

ما يحدث في تركيا من اعتقالات عشوائية لا يعكس بوحشيته حساسية الديمقراطية من الجيش، لكنه يعكس فوبيا الجيش التي يعاني منها جماعة الأخوان المسلمين، والاجتثاث الأردوجاني للدولة العميقة في تركيا من أجل إلصاق القشرة الدينية على الدولة البديلة يقلد الاجتثاث الخميني لدولة إيران العميقة. والحالتان تبشران بأعتى نظم استبدادية تستخدم الديمقراطية كأداة للطغيان. وهي تجارب تعيد وضع الديمقراطية تحت مجهر التساؤل بشأن تطبيقها عبر منظومات التعصب الطائفي أو العرقي.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : محمد خليفة

    24.07.2016 الساعة 13:39

    بالمقال شيء من التسرع شبيه بالتسرع الذي استبشر بنجاح الانقلاب من ساعته الأولى! التسرع هذه المرة يذهب إلى أن اردوغان مشروع دكتاتور شبيه هتلر و هذا التسرع قد تكشف الأيام خطأه لأن القضاء بدأ في الافراج عن الأبرياء (1200) منذ يوم أمس. فتبينوا حتى لا تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.