ركن العامرية.. هدرزة على «شيابين» بلادي..

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

كانت المرحومة جدتي دائماً تقول: «ما في أصعب من قعدت الراجل في الحوش»!.

لم أدرك أهمية كلامها أو دلالاته، ربما لحداثة سني حينها، فقد أخذتُ ردحاً من الزمن ليس بالقصير لأقترب من معنى ما قالت.. عموماً اكتشفتُ مبكراً أنها مقولة شائعة جداً في الوسط النسائي، لكن اللافت عدم تجرؤ النساء على شرح أسباب اعتقادهن هذا حتى ولو بدافع «الفضفضة»، ربما خوفاً من اتهامهن بالتقصير تجاه أزواجهن!.

والآن وقد وصلتُ من العمر عتّيه أقول إنه غالباً ما تمتزج مشاعر المرأة تجاه مرحلة تقاعد الرجل باللهفة والتوجس والقلق وربما الخوف وقد يصل حد الكآبة أحياناً.. قد يكون ذلك لصدق حدسها بما سيؤول إليه حال المتقاعد وتبعات ذلك عليه وعليها، والأحاسيس والأفكار الشتى التي من المؤكد ستعتريه والتي عادة ما تنتهي إلى أفعال ليست بالضرورة كلها مرغوبة أو مستحسنة.

فتارة قد يكتنفه فرح ومرح، فقد أزف آوان الراحة بعد طول عناء وحان الوقت لمشاركة رفيقته بعض شؤونها. أيضاً هي فرصة للتعرف الحقيقي على الأولاد فيساعد هذا وينشغل بذاك وفي هذا مبعث على التفاؤل والسرور له ولمن حوله.. ورفيقته سترّبت على يده على كل حال.

دائماً ما تجلب مساعدة الآخرين السعادة والسمو للروح والبدن

وتارة ينزوي مهموماً معتقداً بانتهاء مهمته في الحياة وبدنو المحتوم فيعكف على نفسه يؤنبها مرة ويعظمها أخرى حتى إذا بلغ به مبلغاً كان إلى الاكتئاب أقرب له ولمن حوله. وبالطبع سترّبت رفيقته على يده على كل حال.

ومن الوارد جداً أن يَصْب جام اهتمامه على رفيقته يراقبها في المجيء والرواح، وهو في الحقيقة يعيد اكتشافها من جديد وقد يكون في ذلك بعض أو كثير تضييق على نفسها، ومع ذلك ستستمر بالتربيت على يده. ولأن لا سن لتقاعد المرأة إلا إذا اختارها الأعلى لجواره، فسيجدها وقد تشاغلت عنه بقدرها الذي ألفته لسنين وحياتها التي كيّفتها حينها، ولم يعترض أو حتى يلاحظ فمشاغله كانت يومها عظيمة!.

هي مع بناتها وكناتها تحافظ على تقاليد مجتمعها الشديدة الإجحاف تجاههن جميعاً، ويخيل إليه أنه الكم المهمل فيلجأ حينها هارباً منها إليها لتعويضه عن ما فات وما هو آت، ولأنها بفطرتها الأنثوية والأمومية هي عشتار وهي إنانا وهي فينوس، فهي ربة الجمال والعطاء بلا حد ولا قيد أو شرط وبنفس آمنة مطمئنة تعيد ترتيب أوراق حياتها لإرضائه ومرضاته غير غافلة عن من حولها فهكذا هي وهو هكذا!.

ويبقى القصد هنا أن تنمية الهوايات «للشيابين» شيء جميل وضروري بل هو أفضل كثيراً من لعب الورق و«التشتشة» وندب الحظ واجترار ماض لن يعود.. قد يكون في بذل النفس لبعض الأعمال الخيرية مبعث على الامتلاء الروحي فدائماً ما تجلب مساعدة الآخرين السعادة والسمو للروح والبدن.. قد تكون المساهمة للترويح عن كبار السن في دور المسنين مثلاً أو المساهمة في بناء دار لرعاية الأيتام أو مدرسة في منطقة نائية أفضل كثيراً من بناء مئذنة في مدينة تحوي مئات أو ربما آلاف المآذن.. فربما كان ذلك أنفع بكثير من تزجية الوقت بالجلوس على «ركّباته».
أقول ربما وربما وربما..

وحفظ الله كل «شيابين» بلادي، الستيني منهم والسبعيني والثمانيني والتسيعيني أيضاً وحفظ الله كل النساء المربتات على أيدي الرجال.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات