نهاية تركيا الاتاتوركية

عمر الكدي |
عمر الكدي

لا يبدو أن الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان تفاجأ بالانقلاب العسكري الفاشل، بل كان ينتظره على أحر من الجمر واستعد لإفشاله، واعتمد على يده اليمنى رئيس المخابرات العامة هاكان فيدان الذي جمع أجهزة مخابرات وزارة الخارجية والداخلية والمخابرات العسكرية في جهاز واحد، وهكذا أمكنه مراقبة القادة العسكريين الذين نجحوا في السابق في القيام بأربعة انقلابات. اختار أردوغان هذا التوقيت ليقضي إجازته بعيدا عن العاصمة أنقرة حيث تتواجد المؤسسة العسكرية بكثافة، وبالرغم من أن الانقلابيين يعرفون الفندق الذي أقام فيه على بمدينة مرمريس، إلا أنهم عندما قدموا لاعتقاله اختفى فجأة وظهر على متن طائرة يخاطب أنصاره من السكايب ويطلب منهم النزول إلى الشوارع.

استغل أردوغان شروط الاتحاد الأوروبي لانضمام تركيا إليه عام 2004 ليجري تعديلات دستورية طالت بنية مجلس الأمن الوطني، الذي كان كل أعضائه من العسكريين ليصبح رئيسه مدنيا وأغلب أعضائه من المدنيين، كما تغيرت مهمة المجلس من حماية الدستور والمباديء الأتاتوركية إلى رسم وتطبيق سياسة الأمن الوطني، بالإضافة إلى خضوع الكوادر العسكرية لإشراف ومراقبة الجهاز المركزي للحسابات، كما ألغيت المادة التي كانت تنص على عضوية جنرال عسكري في المجلس الأعلى للتعليم، وعضويته في اتحاد الإذاعة والتلفزيون، وإلغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين، والسماح برفع الدعاوى القضائية ضد الجنرالات القدامى والحاليين في قضايا الفساد، كما منع العسكريون من الإدلاء بتصريحات في الشؤون السياسية، وهكذا قلم أردوغان أظافر العسكر وأخرجهم من جميع المؤسسات المدنية، وفي المقابل أغدق على قوات الأمن والشرطة والمخابرات، وأسس قوات خاصة تتبع وزارة الداخلية لا يقل استعدادها من حيث التدريب والتسليح عن قوات النخبة في الجيش.

في خطابه بعد فشل الانقلاب كاد أردوغان أن يقول سنطاردهم بيت بيت دار دار زنقة زنقة

في أغسطس 2013 مثل عشرات الجنرالات أمام المحكمة بتهمة الإعداد لانقلاب عسكري على حكومة حزب العدالة والتنمية، وهي القضية التي عرفت إعلاميا بشبكة "ارغينيكون"، وبعد ذلك بشهر خضع قادة انقلاب 1997 على حكومة نجم الدين أربكان للمحاكمة، وفي عام 2012 خضع قادة انقلاب 1980 وفي مقدمتهم الجنرال كنعان ايفرين للمحاكمة بتهمة إعدام 50 شخصا واعتقال نصف مليون آخرين، بالرغم من أن الانقلاب كان ضد اليساريين وليس ضد الإسلاميين، ومع ذلك لم تتوقف محاولات الجيش على الانقلاب منذ انقلابه الأول عام 1960 ضد حكومة الرئيس عدنان مندريس الذي شنق مع أربعة من وزرائه.

حتى يوم الجمعة الماضى كان مصطفى كمال أتاتورك يحكم تركيا من قبره، والآن يحكمها رجل آخر لا يقل شكيمة عن الجنرال التاريخي الذي أنقذ تركيا من السقوط بعد الحرب العالمية الأولى، التي أتت على ما تبقى من الإمبراطورية العثمانية، وهو الذي رأى أن تحول تركيا إلى دولة حديثة يقتضي إلغاء الخلافة، ولم يكتف بذلك بل أجبر الأتراك على نزع الطربوش وارتداء قبعة أوروبية واختيار ألقاب جديدة، حيث اختار لنفسه لقب "أتاتورك" أي أبو الأتراك، وأسس جيشا مهمته الدفاع عن الدستور الأتاتوركي، وجعله يتوغل في كل المؤسسات ليراقب كل كبيرة وصغيرة.

الطريقة التي سيتصرف بها أردوغان مع قادة الانقلاب الفاشل ستكشف عن مخططاته الحقيقية، فإذا أصر على عودة حكم الإعدام وتمادى في إذلال المؤسسة العسكرية، فهذا يعني أنه لم يكن راغبا منذ البداية في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وإنما استغل رغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد لتقليم أظافر المؤسسة العتيدة وفقا لشروط الاتحاد الأوروبي نفسه، وإذا أجرى تعديلات عميقة في المؤسسة العسكرية وأدخل أنصاره الإسلاميين في هذه المؤسسة فإنه يرغب في إعادة الخلافة، وأن يؤسس جيشا إسلاميا يعيد ضم كل الأراضي التي حكمتها الدولة العثمانية، وأن يتحول إلى سلطان عثماني لا يحتاج إلى ديمقراطية، وما يؤكد ذلك هو شخصية أردوغان التي لا تتحمل وجود أي شريك معه، فبعد الدعم الذي قدمه له فتح الله غولن أبعده ونفاه وها هو يهدم كل مؤسساته وأعوانه وفي مقدمتهم القضاة، وبعد أن استفاد من صديقه التاريخي عبد الله غل أبعده عن السلطة، كما أبعد رئيس الوزراء أحمد داود أغلو، لأنه يريد رئيس وزراء ينفذ ما يؤمر به، وكلها إشارات لأهداف أردوغان الحقيقية، ولا ننسَ شهادة سيف الإسلام القذافي الذي قال إن أردوغان قال للقذافي "أحتاج إلى خمس أو ست سنوات لأتخلص من هذا الدستور العلماني". في خطابه بعد فشل الانقلاب كاد أردوغان أن يقول سنطاردهم بيت بيت دار دار زنقة زنقة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : محمد خليفة

    19.07.2016 الساعة 12:13

    بالرغم من أنني من الإسلاميين إلا أن مقالة الكدي جيدة، من حيث بعدها عن السباب الرخيص، و تدعيمها بشواهد قابلة للنقاش. أنا لا اتفق أيديولوجيا مع العلمانيين، لكني أقرأ لإنسان مثل الكدي من باب الفضول و الرغبة في معرفة ما يسمى الرأي الآخر. و اعتقد أن من واجب الليبيين تبادل الاحترام بدل تبادل السباب حتى يتمكنوا من تجاوز محنتهم.

  • بواسطة : ساندرو

    18.07.2016 الساعة 14:56

    مهما حاولت ان تتثبت انك علماني أكثر من العلمانية نفسها إرضاءً لأسياد أسيادك, تبقى تركيا بلد حر متحرر بأردوغانها وشعبها المنفتح,