من الفاشية إلى الفاشية راجعون

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

عندما قدم فريق مشروع ليبيا 2025 رؤية استشرافية بإشراف وإدارة المخطط الاستراتيجي د. محمود جبريل، كان اليقين الراسخ لديه ولدى الفريق أن هذا المشروع سيكون في حالة صدام مع منظومة السلطة الحاكمة، باعتباره متعلقاً في الأساس بثقافة النهوض عبر التنمية المكانية والمستدامة، وعلى فكرة جوهرية للأمن الوطني تتمثل في خلق بيئة أمنية إنسانية بكل جوانبها صالحة لبلورة انصهار وطني حقيقي، لأن الوطن يعني الإحساس بالأمان وبكل جوانبه، وحين يغيب هذا الإحساس تبرز الكيانات الصغرى كأدوات تعويض من أجل أمان الفرد وأهمها القبيلة، كما أن الجانب الاقتصادي ركز على تسريع وتيرته عبر ما يسمى اقتصاد المعرفة الذي كان جبريل متحمساً له، لأنه كما كان يؤكد أن العصر الصناعي قد فاتنا قطاره لكن لدينا فرصة كبيرة في اللحاق بفضاء اقتصاد المعرفة المستجد الذي نقل مئات الملايين في أمة مثل الهند من تحت خط الفقر.

وكان جبريل يدرك أن هذه الرؤية التي سعت لتفكيك المنظومة العاملة في ليبيا تحتاج إلى إرادة سياسية والإرادة السياسية غير متوفرة. وهذا ما حدث أخيرا حين مزق القذافي نفسه مسودة هذه الرؤية. ولماذا؟ لأن طبيعة هذه الأنظمة تتناقض مع مثل هذه الإصلاحات أو الطموحات. بمعنى أن هذه الأنظمة لم تفشل في الواقع لأنها لم تبدأ هذا المشروع حتى تفشل، بل كانت تعمل ضده، ونجحت في هذا، لأنه يهز عرشها المعتمد على الاقتصاد الريعي والتحكم المركزي في قوت المواطن وعلى التناقضات الاجتماعية التي يتلاعب بها كي يحافظ على سلطته.

ولا يغيب عن المتتبع أن ما تم من إصلاحات اضطرارية في هذه النظم الأمنية المحكمة هو ما صدع بنيانها، وأدى بها إلى الانهيار في النهاية، ويأتي على رأس هذه الإصلاحات الاندماج في ثورة المعلومات التي تمت في العقد الأخير قبل سقوطها. فكانت مواقع التواصل الأداة الأبرز التي حشدت في الميادين ما تبقى من الطبقة الوسطى التي ثارت فعلا من أجل قيم تتناسب ونمط ثقافتها ووعيها، والفقراء الحري بهم أن يثوروا هم من كانوا يُسلَّطون على هذه الميادين لإجهاض الحراك، ومصر المثال الأوضح.

تتعدد أنواع الفاشيات ولكن أشنعها ما ينطلق من مرجعية دينية أو الفاشية التي تعتبر نفسها تطبيقاً لإرادة الله على الأرض

هكذا بدأ ما سمي بالربيع العربي، لكن خيوط التلاعب الدولي به تمثلت في تغلغل ممثلي الإسلام السياسي في قلبه وهو الشأن الذي انحرف بأهداف هذا الحراك حتى الآن، لأن إدخال الإسلام السياسي ـ أو ما يسمى بالمعتدل، ممثلا بجماعة الأخوان التي أثبتت جدارة في الأداء والإدارة إبان زلزال مصر في التسعينيات في التصور العالمي للشرق الأوسط الجديد بدأ مع مرحلة الإعداد للتوريث التي كانوا يعتبرونها حالة انتقال آمنة، ذخيرتها الإسلام السياسي الذي سيشكل متن هذا التغيير، ومن ثم الأداة الأهم في انسياب الرأسمال الدولي إلى هذه المنطقة وتأمين دولة إسرائيل وكبح جماح الإرهاب.

وبالطبع كان الكثير من هذه الحسابات خاطئا نتيجة لقصور مؤسسات البحث الاجتماعي في تحليل مجتمعات الشرق الأوسط بشكل دقيق، والخطأ الرئيسي تمثل في اعتقادهم أن الجماعة تتمتع بقاعدة شعبية كبيرة، وكونها قادرة على إدارة دولة. فهي اعتمدت في قاعدتها المزعومة، خصوصا في مصر، على العمل الخيري وسط مجتمعات تعاني من قصور في التنمية والخدمات، ولم تعتمد على برامج حقيقية للنهضة المجتمعية. فهي كما قال جبريل أكثر من مرة: تنظيمات دون مشروع تمت مواجهتها بمشاريع دون تنظيم.

بهذا المعنى، الفاشية والتنمية نقيضان، أو بمعنى آخر؛ لا يمكن لنظام فاشي يسعى لتثبيت نظام دكتاتور أو مؤسسة عسكرية أو حزب واحد أو ولاية فقيه، أن ينسف آلياته في السيطرة المعتمدة على احتكار مقدرات الدولة بخلق أية أرضية للتنمية تتطلب حركة للاقتصاد الحر أو روح المبادرة أو الاستقلالية في النشاط الاقتصادي، وهذا ما ربط على مدى التاريخ الحديث نجاح النهضة الوطنية والمشاريع التنموية بالديمقراطية كفضاء لمشاركة الجميع في اقتصاد الدولة الناتج عن مشاركة الجميع السياسية، لأنه في هذه الحالة فقط لا يصبح وسواس السلطة والحفاظ عليها هو المدبر للسياسات المحلية، بل تصبح المبادرة الفردية أو الجماعية جزءأ من قوة الدولة الديمقراطية.

لقد رفض القذافي مشروع الرؤية الليبية حتى دون أن يطلع عليها، وبعد فبراير رفض المتحكمون في مفاصل الدولة الجديدة الرؤية نفسها لأن التفكير العلمي مناقض للبنيتين الفاشيتين ولطموحات السلطة في الهيمنة والتحكم في الجموع عبر احتكار التخطيط وتوجيهه لخدمة أهدافها في الانفراد بالحكم.

وفي الحالتين كان عدم توفر الإرادة السياسية هو العقبة الدائمة أمام أي تخطيط مستقبلي، فمن ضمن تثبيت أركان الفاشية الارتجال كمنهج احترازي لتسيير المجتمع، لأن الارتجال آلية مناسبة للعمل وفق ردود أفعال آنية وتكتيكات سريعة تستجيب للمتغيرات، بينما التخطيط طويل المدى يحتاج إلى مراكمة خبرة في دولة مستقرة تعتمد على أداء المؤسسات وليس مزاج السلطة المتشبثة بمقاعدها، وهذا ما يفسر وجود عدة سلطات تشريعية وتنفيذية في دولة صغيرة مثل ليبيا وفي زمن قصير بعد فبراير، فالجميع متشبث بالسلطة والجميع يرى في فبراير انتفاضة من أجل الاستيلاء على ميراث الفاشية وليس من أجل القضاء عليها.

وفي النهاية تتعدد أنواع الفاشيات ولكن أشنعها ما ينطلق من مرجعية دينية، أو الفاشية التي تعتبر نفسها تطبيقاً لإرادة الله على الأرض، الشأن الذي جعل من التيارات السياسية الدينية تسطو على هذا الحراك السياسي ـ الذي كان يسعى لتغيير جذري في منظومة السلطة السياسية ـ وتحويله إلى ثورة دينية تنطلق من عقيدة كون هذه الشعوب تحتاج إلى هداية بدل حاجتها إلى التنمية والعدالة الاجتماعية والرفاه. وماذا يعني شعار مثل شعار تطبيق الشريعة سوى كونه أحد شعارات الفاشية البراقة التي اعتمدت على دغدغة وجدان الناس من أجل التحكم في رقابها، في دنياها وفي آخرتها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات