دلالات الحقائب

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

الحقائب بنات السفر، قرينات التنقل وخصيمات الاستقرار. يكتسبن أهميتهن ويُقرًّبن ويمتلئن عند الترحل، وينبذن ويهملن ويحتلهن الخواء أثناء الإقامة. الأجداد البدائيون للحقائب الكيس والخرج والمخلاة والصرة والصندوق. لكن حقيبة الملابس في أشكالها الحديثة، هي ابتكار البرجوازية الأوربية ومن إلهامات ظروف السفر في القطار في القرن التاسع عشر.

أبهة الحقائب وزهوها وأداؤها وظيفتَها، خارج البيوت، في محطات الحافلات والقطارات والموانيء والمطارات. إنهن رفيقات الانتظار وشهود لحظات الوداع والاستقبال ومؤنسات وحدة من لا مودع أو مستقبل له. حتى الحقائب النسائية والمدرسية وحقائب رجال الأعمال والموظفين هي قرينة الخارج. المنازل تخنقها. لذا هي معرضة للفقد والتيه والضياع، فلا يضيع إلا المسافر.

أقدم حقيبة نسائية نجت من الاندثار ووصلت إلينا صنعت حوالي سنة 1300 في مدينة الموصل بالعراق

ترتبط حقائب السفر بما هو خاص وحميم (ليس بالضرورة أن يكون سريا) بما تحويه من ملابس تلامس مباشرة مناطق الإثارة في الجسد، أو تلك التي تكتنف قوامه العام، وأدوات الزينة والعطور(رجالية أو نسائية). وترتبط محتويات الحقائب النسائية بالدلال من خلال أدوات التزين والتعطر، لذا يعد تفتيش حقائب الملابس والحقائب النسائية نوعا من التعدي على الخصوصية وفضحا، أحيانا، إذا ما احتوت حقيبة السفر ملابس متسخة عند العودة من سفر. في حين ترتبط الحقائب المدرسية وحقائب المعلمين وأساتذة الجامعة بالمعرفة وبالمستقبل. أما حقائب رجال الأعمال والموظفين فتتعلق بالمال والإدارة والتخطيط. أي بالمسؤولية. وتتفرد الحقائب الدبلوماسية بأسرار الدولة.

وإذن، فالحقائب من عناصر الحضارة والمدنية وصاحبت ظهورهما، إذ يقال أنها ظهرت مع الحضارة المصرية القديمة. أقدم حقيبة نسائية نجت من الاندثار ووصلت إلينا صنعت حوالي سنة 1300 في مدينة الموصل بالعراق.

في الإنغليزية تتحدر أشهر كلمة مستخدمة للتعبير عن الحقيبة، وهي Bag، التي ظهرت في القرن الثالث عشر، من كلمة يونانية تعني حمولة Load. أما في العربية فهي مشتقة من الجذر حَقَبَ. الذي يعني، من ضمن ما يعني، الشد والحَزْمَ والاحتباس. ورد في قاموس "تاج العروس":

"الحَقَبُ مُحَرَّكَةً: الحِزَامُ الذي يَلِي حَقْوَ البَعِيرِ أَو هو حَبْلٌ يُشَدُّ بهِ الرَّحْلُ في بَطْنِهِ أَي البَعِيرِ ممَّا يَلِي ثِيلَهُ لِئلاَّ يُؤْذِيَهُ التَّصْدِيرُ أَو يَجْتَذِبَه التصدِيرُ فيُقَدِّمَه. وحَقِبَ بالكَسْرِ كَفَرِحَ إذَا تَعَسَّرَ عليه البَوْلُ من وُقُوعِ الحَقَبِ على ثِيلِه أَي وِعَاءِ قَضِيبِه ورُبَّمَا قَتَلَه".

وورد أيضا: "والحَقِيبَةُ كالبَرْذَعَةِ تُتَّخَذُ لِلْحِلْسِ والقَتَبِ فأَمَّا حَقِيبَةُ القَتَبِ فمن خَلْفُ وأمَّا حَقِيبَةُ الحِلْسِ فَمُجَوَّبَةٌ عن ذِرْوَةِ السَّنَامِ [...] والحَقَبُ: حَبْلٌ تُشَدُّ به الحَقِيبَةُ والحَقِيبة : الرِّفَادَةُ في مُؤَخَّرِ القَتَبِ والجَمْعُ الحَقَائِبُ". وبذا يرتبط الشد والحزم (دلالات جذر الحقيبة في اللغة العربية) بالحمولة (الأصل المتحدرة منه لفظة الحقيبة الإنجليزية Bag في اليونانية).

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات