الإعلام من أيام زمان

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

أبقتنا أمطار كثيفة عشية عطلة نهاية أسبوع لندنية غائمة في مقر إقامتنا. كنتُ رفقة صديقي مفتاح سعد الفرجاني والمرحوم يوسف الهدار عندما زارنا في تلك العشية المرحوم رشاد الهوني وبرفقته المرحوم الصالحين الهوني؛ فقد كانا حينها يؤسسان صحيفة العرب، التي كانت أول الصحف العربية التي صدرت من أوربا، وتحديدا بعدما أمم القذافي صحيفة الحقيقة الشهيرة.

أحمد الصالحين الهوني كان يشغل منصب وزير الإعلام في حكومة المرحوم عبد الحميد البكوش، التي أعقبتها حكومة المرحوم ونيس القذافي والتي أطاحها القذافي سنة 1969م. المتابعون آنذاك، بانت عليهم نوايا النظام الجديد مباشرة بعد تأميم الصحافة، وبمجرد أن سنحت الفرصة غادر الإعلاميان (الهونيان) الكبيران ليبيا وشرعا في مشروع صحيفة العرب.

في ذلك اليوم انزوى الصالحين الهوني مستلقيا على كنبة غير بعيدة يشاهد التلفزيون، مبتعدا على نقاشنا حول وضع ليبيا القذافي الذي كان -كما كنا نرى-لا يبشر بخير. ولا أدري كيف تطرق أحد الحاضرين إلى إشاعة انتشرت قبيل سقوط النظام الملكي مفادها أن الملك إدريس، رحمه الله، متوفى وأنه محنط، حتى يتولى الشلحي السلطة. فما كان من السيد الصالحين إلاّ أن نهض وقال لنا: "أهو (جاكم) واحد مش محنط! هيا ورونا ايش تبو اديروا؟". ضحكنا، وانقشعت غمة النقاش.

لم يقف أمر الإعلام عند هذا الحد بل نُقلت قنوات إعلامية ليبية تبث من خارج ليبيا وتوقفت الصحف التي فرحنا بها من بعد فبراير

تذكرت ذلك اليوم عندما تبسم المرحوم الدكتور على عتيقه، وهو يحكي لي عن الليلة التي جاء جنود القذافي بالمرحوم الصالحين الهوني إلى حيث سُجن بقية الوزراء الذين سبقوه، وكان الدكتور عتيقه أحدهم. قال لي بمجرد أن لمحني: " ألم يكن من الأفضل موافقتكم على الخريطة التي قدمتها لكم. بالله لو نفذت خرائط مشروعي ما كان رومل بذاته أن يصل الميكرفون .. هي يا دكتور أخبرنا كيف سنوقفهم؟" وذهب نحو سريره يتمتم، فيما كان بعض الوزراء المسجونين يهزون رؤوسهم متحسرين!

كان مجلس الوزراء قد قرر تشييد مبني للإذاعة والتلفزيون، وكُلف الصالحين الهوني، باعتباره وزيرا للإعلام بتقديم تصميم لذلك المبني. فقدم بعد فترة لمجلس الوزراء الخرائط والرسومات، لقلعة حصينة! قال الدكتور عتيقه: "كنت أول المعترضين عليها، مؤكدا له أن المجلس يتطلع إلى مبنى حضاري حديث، بتصميم إسلامي أندلسي مثلا، يتناسب ومهمة الإعلام، فأجابني: " الحكمة هي أن نعتمد هذا التصميم، لأن ما تقترحه بمقدور 50 عسكري احتلاله وإعلان ثورة والاستيلاء على البلاد، أما هذا المبني يصعب على الأسكندر الأكبر اقتحامه! " وانتهي النقاش برفض مقترحه.

مررت منذ أيام من أمام مبني التلفزيون بشارع النصر بطرابلس وتبسمت، وأنا أراقب الفوهات المعدة لإطلاق الرصاص منها! فلقد نفذ القذافي خرائط الصالحين الهوني كما هي، وظل المبني عصيا على دخول غير المرغوب في دخولهم، ولم تفتح أبوابه إلاّ بعد سقوط باب العزيزية. ثم عُزز من بعد فبراير بدبابتين أمام المدخل، وربما براجمات داخل السور.

ولم يقف أمر الإعلام عند هذا الحد، بل نُقلت قنوات إعلامية ليبية تبث من خارج ليبيا، وتوقفت الصحف التي فرحنا بها من بعد فبراير، ومنذ أسابيع مُنعت صحيفة مؤسسة الوسط، التي يتابعها يوميا أكثر من مليون قاريء، من التوزيع في ليبيا كلها. لا الشرق يسمح بتوزيعها ولا الغرب بتداولها، وكل ذلك بسبب إصرارها على نقل الحقيقة إلى الناس من دون تسويق لأي فكر من الأفكار المتصارعة في ليبيا، ومن دون الوقوف مع جانب ضد الآخر. همها أن يصل الخبر إلى الناس كما هو، عملا بحرية الرأي الذي كان سببا من أسباب قيام ثورة فبراير. كانت حرية الكلمة هي أفضل ثمرات فبراير ، ذلك إن لم تكن الثمرة الوحيدة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات