وزارة الذكاء

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

كثيرا ما يدور الحديث في ليبيا عن الليبيين كشعب ذكي وأنهم يتمتعون بذكاء فطري، لكنهم غير محظوظين، والبعض المتفائل بحذر يعتبر أن القذافي كان يُجهل الليبيين عن عمد ويحارب الذكاء، بل يصفي ويسجن وينفي الأذكياء الذين لديهم طموح، وتصل هذه الغطرسة المجانية إلى خرافة دارجة في مجتمعنا تتعلق بكون أي طالب ليبي درس في الخارج عادة ما يكون قد تحصل، دون منازع، على الترتيب الأول بين طلاب من جميع أنحاء العالم، وكنا نصدق هذه الخرافات التي تشبع نرجسيتنا المكبوتة وغير المكبوتة، للدرجة التي كنا نتصور أن أية جامعة في الخارج سيصاب طلابها بالفزع إذا ما سمعوا بوصول طالب ليبي، ولعل ما يؤكد هذا الجنوح الغريب ديباجات التعريف بالليبيين الذين عادوا من الخارج بعد سقوط النظام، وقدموا هذه السير العلمية والمهنية من أجل الحصول على مناصب، تبدأ من رئاسة الوزراء نزولاً، للدرجة التي تصورنا فيها أن الأكاديمية أو المؤسسة التي كان يعمل بها هذا النابغة الليبي ستنهار بمجرد عودته إلى وطنه، بما فيها مسؤوليات علمية كبيرة في وكالة ناسا، ويذكر الليبيون جيدا تلك السير العظيمة التي انتشرت في مواقع التواصل في صفحات عديدة.

البعض تناغم معها نزولا عند الرغبة المكبوتة بكوننا شعبا ذكيا بالفطرة، والبعض تفاءل بأصحابها الذين سيجعلون من ليبيا دولة عظيمة في سنوات محدودة، والقلة التي تعرف السر السيكولوجي كانت تتعامل معها بسخرية لاذعة.

الغطرسة الليبية لا تملك إلا أن تذهب في إطلاق صفة الذكاء على كل من هو ليبي حتى وإن كان طاغية يمقتونه بكل ما أوتوا من كراهية

لكن كل ما أعرفه أن هذه العبقريات الكبرى التي كانت تسند بعلمها أمماً كبيرة مثل أميركا أوصلت بذكائها الحاد البلد في وقت قياسي إلى حالة من الخراب الشامل، لأن ذكاءها الموهوم كان لا يختلف عن ذكاء القذافي الذي طرح نفسه أيضاً كزعيم متفرد الذكاء، مستعرضا مواهبه في خطاباته، وساخرا من غباء بقية الزعماء الذين كان ينعتهم بأرذل الصفات الدالة على الغباء، وحين يتحدث في مجمع يجعل كلامه كأنه موجه لأطفال لا يفهمون البديهيات التي يتحدث عنها، وهذا التبجح هو الذي جعل المحيطين به يطلقون عليه ألقابا مثل المفكر والمعلم والملهم، بل إن الكثير من الناس الذين كانوا في قرارة أنفسهم يمقتونه لا يترددون في وصفه بالذكاء، ويأخذون عنه أن ذكاءه موجه للأسف إلى الشر وليس إلى الخير.

وبعد ما حصل في فبراير من كوارث توقعها في بعض خطاباته، من أحاديث عن الفوضى بعده وعن تحكم التيار الديني المتشدد في البلاد وعن إمكانية تقسيم ليبيا، وغير ذلك من الكوابيس المرتبطة بما بعده التي كان يخوف بها الليبيين، بعد أن تحقق جزء كبير من هذه الكوابيس عاد الكثيرون من جديد يتحدثون عن ذكائه وقدرته على التوقع، وفي الواقع هو حذر من هذه الكوابيس لأنه هو من وضع قواعدها في هذه الأرض، ولأنه يعرف أن البديل الذي جهزه بعده هو الإسلام السياسي بعد أن فرغ المكان من بدائل أخرى، بمعنى آخر وكما يقال : عارف البذار شن طالع من يده.

لكن الغطرسة الليبية لا تملك إلا أن تذهب في إطلاق صفة الذكاء على كل من هو ليبي حتى وإن كان طاغية يمقتونه بكل ما أوتوا من كراهية، ومن المفارق أن هذه النرجسية الليبية التي تجعل معظمنا مستهزئا بالأمم الأخرى، يصاحبها حالة فريدة من جلد الذات واتهامها بالتخلف وكل الصفات المشينة حين نخلو إلى أنفسنا بعيدا عن التنافس مع جنس أو جنسية أخرى.

يقودني الحديث عن الذكاء الذي نتبجح به غالبا، ونعتبره هبة من الله يهبها لشعبه المختار، إلى ما قام به الرئيس الفنزويلي الأسبق (الذي لم أعد أذكر اسمه رغم ذكائي الفطري) العام 1978، حين كلف صديقه الشاعر الفنزويلي، لويس البرتو ماتشادو بوزارة سماها (وزارة الذكاء) وباعتبار أن هذا الشاعر كان صاحب أطروحة تتعلق باعتبار الذكاء مهارة قابلة للاكتساب وليس مكتسبا فطريا كما لدى العرق الليبي، فلم يكن مشروع الرئيس الفنزويلي الموصوف بأنه رائد مسيرة العلمولوجيا والمعرفة بلا حدود في أميركا اللاتينية، شطحة أو لحظة شعرية، مثلما أسس القذافي وزارة للهجرة كلف بها فيلسوف ليبي، ولا مثلما أسس الفبرايريون وزارة للشهداء تعدهم بجنة في الدنيا، لكنه نابع من حقيقة علمية تقول طالما أن الذكاء هو القدرة على التقاط الروابط القائمة بين الأشياء والموجودات حتى وإن كانت غير منظورة، فإن هذه القدرة قابلة للاكتساب بالتدريب والتعليم، وبالتالي فإن إنشاء وزارة لهذه القدرة من شأنه أن ينقل الذكاء من كونه هبة طبيعية وموهبة ليصبح مهارة يمكن تعميمها وصقلها ليتحول إلى ثروة اجتماعية باعتبار الإنسان هو الرأسمال الحقيقي الذي لا ينضب. وفق هذه الرؤية يبدو أننا كليبيين مأخوذون بملَكة الحفظ والتسميع كنا نتمتع بمعرفة الأشياء والموجودات دون القدرة على التقاط الروابط القائمة بينها.

والآن بعدما أصبح الليبيون يتواضعون بعض الشيء، ويتهمون أنفسهم بالغباء بعد أن دمروا مقدرات بلادهم بأيديهم، وبعدما انتخبوا من هذه القاعدة الغبية الواسعة ممثليهم في بناء دولتهم، وبعد أن رأوهم يتحدثون بكل غباء وعلى كل شاشة متاحة، وبعدما عرفوا أن نظام القذافي ليس سببا وجيها للغباء، حيث ازدهر بعد سقوطه بشكل لم يسبق له مثيل، بعد كل ذلك صار بالإمكان التفكير في تأسيس وزارة للذكاء، مع أن التأسيس لوزارة ذكاء في مثل هكذا ظروف معرفية يشبه تأسيس وزارة للثروة البحرية في النيجر، ورغم هذه الصعوبة فإن الاستثمار في الإنسان كرأسمال خيار وحيد من أجل أن تظهر أجيال جديدة غير معرضة لحرق البيت الذي تسكن فيه. فاهتمامنا بالموتى وإنشاء وزارة لهم يجب أن لا يمنعنا من الاهتمام بالمواليد الجدد وتدريبهم على مهارة التقاط الروابط القائمة بين الأشياء والموجودات حتى لا يقعوا في أخطائنا القاتلة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : د. رضا العوكلي

    15.07.2016 الساعة 14:02

    لك الشكر استاذ سالم علي مقالتكم عن “وزاره الذكاء” في مجله الوسط http://www.alwasat.ly/ar/mobile/article?articleid=111022، قد لا استطيع ان اجاريك في حسن اختيار الكلمات والقدره علي شد انتباه القارئ فالجميع يشهد بمهاراتكم في هذا الشآن ولكن اسمح لي ان احاوركم في الاسس العلميه لما تقدم وقد تستغرب بانني اشاركك الرآي في الحاجه لتعليم الذكاء لابنائنا ولكن ليس “الذكاء الفطري” كما يعتقد الكثير فالذكاء نوعان الفطري منها والاجتماعي وسنرجع لذلك بعد ان نوضح بان الطلبه اللليبين الدارسين في الخارج هم عاده نخبه ممن تفوق في مدارسنا وتخرج من الجامعات الليبيه التي لم تكن اقل شآنا من الكثير من جامعات العالم (ذلك حتي وصول وزير التجهيل لقمه الهرم التعليمي في ليبيا في الثمانينيات)، وعليه فان تفوق الغالبيه من هؤلاء بعد دراستهم في الخارج ليس بالامر الغريب حيث ان جل هؤلاء الطلبه قد تفرغوا فقط للدراسه بحكم توفر سبل العيش (حتي وان كانت بميزانيه المنحه المحدوده احيانا) علي عكس زملائهم في البلد المضيف الذين وجب عليهم العمل او الاقتراض لتوفير سبل الحياه حتي اتمام دراستهم. ويبدوا لي ان هذه هي الاسباب الرئيسيه التي ادت الي الاعتقاد السائد والمبر - كما اسلفنا - بان الكثير بان الطلبه الليبين في الخارج يتمتعون بدرجه عاليه من الذكاء “الفطري”. والي ان تكون هناك دراسه وافيه لهذه الظاهره فلن نستطيع ان نجزم ماذا كانت تلك هي الحقيقه؟. مشكلتنا كانت وستبقي في النقص الحاد لذكاءنا الاجتماعي! او مايعرف ايضا بالذكاء العاطفي! فنجاحنا في حياتنل اليوميه يعتمد علي الذكاء العاطفي وليس الفطري فقط. يقول جوليمان، في الحقيقة إن نجاح الفرد في العمل يعتمد 80٪ على الذكاء العاطفي وحوالي 20٪ فقط على حاصل الذكاء (IQ). ما هي هذه الخاصية التي تدعى الذكاء العاطفي (EI)؟ يعرفها جوليمان بأنها ذكاء الشارع القديم الطيب -معرفة متى تتشارك المعلومات الحساسة مع زملائك، وتضحك عند سماعك لنكات وفرحات رئيسك أو مخاطبة اجتماع (للمزيد http://www.bab.com/Node/4781). وعليه فان فكره تعليم ابناءنا الذكاء الاجتماعي فكره تستحق الاخذ بعين الاعتبار. ولكم جزيل الشكر والتقدير. د. رضا العوكلي، وزير الصحه، الحكومه المؤقته