خيخي وبن إيخي

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

في مقال عنوانه «فصل مثير في عبثية المشهد الليبي» نُشر بصحيفة الشروق المصرية يوم 21/ 6/ 2016، يقول الأستاذ فهمي هويدي، فيما يقول: «... المتصارعون الحقيقيون هم القبائل صاحبة النفوذ هناك»، يقصد بالطبع ليبيا، التي يبدو أنه اعتقد أن ما قرأه عنها يؤهله أن يضع رجلاً فوق أخرى وأن يفسر طبيعة الصراع في ليبيا. السيد هويدي متابع جيد للمسألة الليبية التي وصلت بالفعل حد العبث، ولكن الحقيقة التي يعرفها الليبيون جميعاً أنه لن يكون هناك صراع مسلح أبداً بين قبائل الشرق، تحديداً، وهم بالمناسبة من استند السيد فهمي عليهم في حكمه.

السيد هويدي متابع جيد للمسألة الليبية التي وصلت بالفعل حد العبث، ولكن الحقيقة التي يعرفها الليبيون جميعاً أنه لن يكون هناك صراع مسلح أبداً بين قبائل الشرق، تحديداً.

ليس بمقدور أحد معرفة الوضع الليبي بمجرد متابعة أخبار الصراع فقط. ولعله واضح لكل متابع أن الاقتتال المتواصل في شرق ليبيا منذ خمس سنوات ليس بين القبائل، وإنما بين طرفين أحدهما جيش منضوٍ تحت شرعية البرلمان، يضم معظم القبائل، أما الثاني فيضم أفراداً من بضعة قبائل مدعومة من وافدين من العالم كله مدفوعين بفكر (مؤدلج) يريدون فرضه بقوة السلاح، ومسألة الفرض هذه لا تنفع مطلقاً مع العناد، الذي يتميز به الدماغ الليبي. 

القبائل لن تواجه بعضها البعض في الشرق بالسلاح. فهذا وإن حدث منذ زمن بعيد كان محصوراً بين قبيلتين أشعلت الفتنة بينهما قوة حاكمة وليست ليبية وانتهى الأمر. ويعتبره المؤرخون حالة من حالات حركة التاريخ التي تتسبب فيها فئة لا علاقة لها بالمكان، وإنما بمصالحها الخاصة دينية كانت أو استعمارية أو حتى أيديولوجية. إن تفاصل ما حدث لا تفيد أحداً بقدر ما يستفيد منها من يود نبش الرماد.

ليس هناك أسرة واحدة في بنغازي لا تتجمع في مناسبة من مناسباتها أكثر من قبيلة واحدة، فأسر بنغازي تتشكل في الغالب من القبائل كلها، وأيضاً من المدن كلها.

قبائل الشرق لن تتواجه بالسلاح ويخطيء من يقول إن ما يدور الآن في ليبيا هي حرب أو صراع ما بين قبائل. سبب ذلك هو أن بؤرة الصراع، وأنا أعني بنغازي لأنها تتكون من قبائل ليبيا كلها فليس هناك أسرة واحدة في بنغازي لا تتجمع في مناسبة من مناسباتها أكثر من قبيلة واحدة، فأسر بنغازي تتشكل في الغالب من القبائل كلها، وأيضاً من المدن كلها. خد مثلاً واضحاً وبسيطاً وحقيقياً: لي شخصياً أخوان، وأربع أخوات، وخمسة أبناء، و خمس بنات.. وحوالي دستتين من أحفاد. يعيشون تقريباً في (كومبوند) واحد: أخي متزوج من غريانية، والثاني من عاقورية، وابني من مصراتية والثاني إنجليزية ويريد استبدالها بفتاة درسية، والثالث من عبيدية، أما الآخران فأحدهما يتطلع إلى حاسية والرابع إلى برعصية. وبناتي متزوجات من: طرابلسي، درناوي، مصراتي، قزيري، وأخواتي: عمامي، قزيري، مغربي، همالي. وحفيداتنا من: سعيطي، هوني .. وبالتأكيد نسيت منهم ومنهن الكثيرين. جيران عمري: عقوري، قطراني، مجبري، مرابط ومغربي وفيتوري. هذا الواقع ينسحب على 99% من أسر بنغازي، فكيف بالله عليك يا أستاذ فهمي سوف توجه قبائلنا السلاح لبعضها البعض. فمن سيواجه من؟ صحيح أن هناك استثناءات ولكنها بسيطة وقليلة وتنتهي في الغالب برز ولحم و«طاسة شاهي خضره» وقراءة سورة الفاتحة. وكان الله يبقى الله.

الصراع يا أستاذ فهمي هو في الواقع ما بين فئتين: فئة (مؤدلجة) تماماَ تريد قيام دولة إسلامية وفق قناعة محددة، وفئة-مسلمة- أيضاً ولكن تريد قيام دولة مدنية تحفظ حقوق المواطنة شريعتها الدين الإسلامي، ولكن تُتبادل فيها السلطات ويصل قادتها إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع ويطبق فيها حكم الإسلام الصالح لكل زمان ومكان وليس ما طبق من أربعة قرون من قبل أن تبتكر سيارات التويوتا ذات الدفع الرباعي ولا بارود نوبل، ولا وسائل تفخيخ السيارات، ولا قنابل الجراد.

فهل -يا ترى- فهم من يُرجع عبث المشهد الليبي إلى صراع ما بين القبائل معني (خيخي وبن إيخي)؟

إن ما يدور في ليبيا ببساطة شديدة هو محاولات من الطرفين لفرض قناعة كل منهما على الطرف الآخر، وهذا حدث على نحو ما في فلسطين، فقبل أن يصلا إلى حالة الصراع المسلح قامت حكومتان واحدة في رام الله والثانية في غزة، والمواطن الفلسطيني يحمل حقيبته وينتقل إلى العيش في المكان الذي يختاره. فلماذا لا نواجه هذا الواقع ونعترف بأننا نريد حكومتين كل واحدة لها قناعاتها ولها قوتها ولها مريدوها؟ لماذا لا نعمل على تأسيس ولايتين (كونفدراليتين) مثلما فعلت ألمانيا سنة 1806وأميركا وصربيا والجبل الأسود والسنغال وغامبيا. ولايتان بحكومتين، تجمعها حكومة اتحادية مهمتها فقط تقسيم ثروة البلاد- قسمة حواته- واحد يقسم والثاني يختار. ويمنح الليبي حق اختيار الحكومة التي يريد أن يعيش في ظلها ونظل مواطنين مسلمين حقيقيين. من دون حاجة إلى منظرين يرون أن العبث ألا ننظر إلى الدنيا بعيون غير عيونهم، منظرين يقررون أن المتصارعين الحقيقيين هم القبائل صاحبة النفوذ في ليبيا، من دون أن يسمعوا أو حتى يعرفوا معنى عبارة قالها للقذافي مجاهد ليبي كان من أحكم شيوخ قبيلة العواقير اسمه عبدالحميد العبار عندما حرض قبيلته على محاربة بنغازي وبسط نفذوها عليها فقال له ما معناه : «هذا هو (العبث) بعينه يا معمر، إنهم (خيخي وبن إيخي) فكانت جملته حينها كافية وافية أخرست الفصحاء. فهل- يا ترى- فهم من يُرجع عبث المشهد الليبي إلى صراع ما بين القبائل معنى (خيخي وبن إيخي)؟ أنا لا أعتقد ذلك.

 

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : ليبي

    7.07.2016 الساعة 10:04

    يا سيدي ان فهمي هويدي يتحدث عن ليبيا عندما يتحدث عن ما هو حاصل في ليبيا... وانت ترد عليه بنفي الظاهرة و بان الشرق لن يحصل فيه صراع ... لماذا اختصار المشهد الليبي على الشرق فقط؟ ان ليبيا اوسع واكبر من الشرق ... والصراع الحاصل في المنطقة الغربية وكذلك الجنوبية تمثل القبلية والجهوية فيه شان ليس باليسير ... حيث يلاحظ ان طرفي اي نزاع يغلب عليهم التعصب القبلي بدون مواربة

  • بواسطة : فايز سويري

    6.07.2016 الساعة 19:05

    قصدك حفتر يريد هذا الكلام؟ قيام دولة مدنية تحفظ حقوق المواطنة شريعتها الدين الإسلامي، ولكن تُتبادل فيها السلطات ويصل قادتها إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع ويطبق فيها حكم الإسلام الصالح لكل زمان ومكان وليس ما طبق من أربعة قرون من قبل أن تبتكر سيارات التويوتا ذات الدفع الرباعي ولا بارود نوبل، ولا وسائل تفخيخ السيارات، ولا قنابل الجراد. أي عبث هذا يا سيادة الكاتب؟! إن كنت تكره طرفا فهذا لا يسوغ لك الافتراء. أتفق معك أن فهمي هويدي لم يكف موفقا في مقاله لكن كان مثلك بالضبط تغوصون في العبثية. قولوا كلمة حق يسجلها لكم التاريخ "ولا يجرمنكم شآن قوم على ألا تعدلوا"