الكلب مسعود

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

صديقٌ لم أره من سنتين. باغتني بزيارة. فرحت به. تحدثنا طويلا عن ذكرياتنا وعن بلادنا. فجأة قال لي: «أريد طبيبا نفسيا. اسأل أصحابك أهل مصر. دعهم ينصحونني بطبيب جيد». قبل أن يذهب إلى الطبيب قال لي: «لا تسألني لماذا؟ ولا تبحث عني حتى أتصل بك وثق أنني بخير». جاءني بعد حوالي عشرة أيام. كان أكثر همة وإشراقا. رأيت فيه، حينها، صديقي الذي رافقته طوال المرحلة الثانوية والجامعية، وما بعدها. حدثني هذه المرة عن أشياء كثيرة لم يتطرق إليها في لقائنا الأول. واكتشفت أنه بخير، أحواله المادية جيدة للغاية. أعرف أن أبناءه في أحسن حال، ابنتاه تزوجتا من شقيقين، وأن زوجته إنسانة فاضلة عرفها منذ أن كنا طلبة في الجامعة. وتحدثنا بمتعة عن كل شيء. لم أتطرق أبدا إلى مسألة الطبيب النفساني، فلقد خنقتُ رغبتي في حب الاستطلاع. ولكنه فجأة قال لي: «لقد نصحني الطبيب باقتناء كلب! قال لي: أنت تحتاجُ لمن ينصت إليك باهتمام. ولا يبدو أن في محيطك بحسب ما أخبرتني أن هناك من ينصت إليك. تحدث إلى الكلب كلما تسلطت عليك الرغبة في الحديث، تأكد أنك ستتخلص من الأرق ومن نوبات ارتفاع ضغط الدم المفاجئ، التي تشكو منها، وقد تستغني عن أقراص عديدة أخبرتني عنها. أنت تقول إنك صرت تشعر بضيق عندما تتحدث إلى إنسان يجادلك بحجة أو من دونها. حسنا جرب أن تتحدث مع كلب، أو حمار أو حتى فكرونه. الحديث مع الحيوانات مفيد جدا، إن رفقة الحيوانات مهدئة، فهي تخلو من النقد الغبي والعناد، والتباهي، والكذب. اشتر كلبا تحدث معه، داعبه وسوف تتحسن حالتك، هل تعلم أن نسبة ضغط الدم تقل كثيرا عند سيدات أوروبا اللاتي يقتنين كلاب الزينة. إن السيدات يداعبن كلابهن ويتحدثن إليهن أكثر من مداعبتهن والحديث مع أزواجهن. اشتر كلبا وسترى النتائج». ذكرته بالروائي الأميركي جون شتاينك، الذي قرأنا روايته في ستينات القرن الماضي، ذكرته بكتابه الذي يتحدث فيه مع كلبته تشارلي، والذي عنوانه «رحلاتي مع تشارلي»، قاطعني: «تأكد أنني بخير، ولكنني سوف أشتري كلبا». نصحته ساخرا: «اقتني كلبا من نوع (شيواوا) فهو صغير الحجم، ويمكن الاحتفاظ به داخل المنزل، ونباحه مجرد حشرجة، ومئة جرام لحم كافية له طوال اليوم، أو (جيرمن شيبرد) سلالته متوفرة في بنغازي، وهنا في مصر تجد أنواع (الوولف) كلها، و(دوبرمان)، (بولدج)، (بول بيت)»، قاطعني: «سوف أشتري كلبا من كلابنا المقهورة الليبية، يفهم لغتي وأفهم طباعه. أنا أعرف سيدة ألمانية كانت تسكن في الحدائق امتلكت كلبين ليبيين أخذتهما من الشارع نظفتهما وأخذتهما إلى المستشفى البيطري ولقحتهما بالأمصال اللازمة واستخرجت لهما شهادة ولما غادرت إلى ألمانيا أخذتهما معها. كانت تتسوق بهما وتربطهما أمام المحل فيجلسان مثل كلاب النصارى المؤدبة، هكذا على مؤخرتيهما ورأساهما مرفوعان ولسانهما متدليان من بين فكيهما، وعيناهما ودودتان، ولا ينبحان أبدا إلا إذا اقتربْتَ من سيدتهما التي تمشي خلفهما وكأنها الملكة بلقيس. لابد أنك رأيت تلك الفتاة التي تقودها مجموعة من الكلاب السوداء في مقدمة أفلام قناة 2 mbc. غير أن الكلاب الليبية كانت مغبرة ثم صارت، بعد أن نظفتهما بيضاء كالثلج ولا تنبح مثل بقية الكلاب الليبية الأخرى التي لا صاحب لها. سوف أقتني جروًا ليبيا وأربيه. وقد أستخرج له جواز سفر وشهادة صحية وأحضره ليتفسح معي هنا في القاهرة. أنا يا أخي أريد من يسمعني. حتى أنت قاطعتني مرات ومرات مع العلم أنني مشتاق إليك ولم أتحدث معك منذ زمن بعيد».

أنا لا أعلم في الواقع إن كان صديقي قد اقتني كلبا أم لا؟ ولكنني أعرف أخباره من أصدقاء مشتركين أنه صار صديقهم الذي يعرفونه من قبل، فلقد علمت منهم أنه أصيب باكتئاب حاد من بعد 2012 ولم يخرج من حالته إلاّ هذه السنة، قد تكون من بعد مشروع الكلب.

أنا لم أقل لكم أن صديقي كاتب، وأنه توقف عنها من بعد اغتيالات بنغازي سنة 2012. من أيام قرأت له الفقرات التالية من مقالة بإحدى البوابات الإعلامية:

(.. المرة القادمة، هما، في الواقع، الكلمتان الساحرتان وراء نجاح كل مثابر، فهما الحافز على تصحيح ما يحدث في حياتنا من أخطاء.
«المرة القادمة هما الكلمتان الواجب تذكرهما، كلما فشلنا في أمر مهما كان خطيرا. المرة القادمة، لن نسمح بقيام أية مؤسسة ما لم تكن رسمية وحقيقية وفاعلة. في المرة القادمة لا ينبغي أن نسمح بقيام أية مؤسسات قتالية ما لم تكن وفق شرعية الدولة.

في المرة القادمة سوف نتفق على دستور يخدم مصالحنا وليست مصالحهم، ونختار له من يريد مصلحتنا وليس مصلحته. المرة القادمة ينبغي أن نتعلم من أخطائنا، لا أن نُحمِّلها على أكتاف غيرنا. فما يحدث هو نتاج أخطاء شاركنا جميعا فيها، وعلينا جميعا تصحيحها، إن كنا لا نريد المزيد منها. فلنتذكر، فقط، أننا نمتلك فرصة المرة القادمة. ونتذكر، أيضا، أن التجارب التي أجريت على القرود والفئران، أثبتت أنهما لم يلدغا، أبدا من جحر واحد مرتين! وأن أكثر الناس نفعا لغيرهم هم من يتوكلون على الله عند مواجهة المشاكل، لكن أنت يا مسعود ليس بمقدورك أن تتوكل على الله أليس كذلك؟).

أنا لم أقل لكم أن صديقي أطلق على كلبه اسم مسعود.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : رضوان ابوشويشة

    4.07.2016 الساعة 22:24

    ممتع..وهكذا تكون الكلمات ليبية حادة الطعم..كالدواء الشافى ...اشكرك ايها المجيد دائما..هذا الشهر عاودت قراءة كتابكم عن الكاتب العزيز الذى رحل خليفة الفاخرى..الجهد والود والوطن فى هذا السفر ../يعادل حمولة باخرة من الحنين الى وطن بهي /ويشهادة دكتوراة باذخة.