دبي والمُنتَج الجانبي

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

منذ ما يربو على ثلاثة عقود أصبحت دبي تمثل نموذجا للازدهار والتطور لدى الكثيرين (خصوصا التجار ورجال الأعمال وكبار التكنوقراطيين) ويتمنون أن تصبح بلدانهم أو مدنهم على غرارها.

ففي ليبيا مثلا تجد عدة "أسواق ممتاز" Super markets سماها أصحابها باسم "سوق دبي الممتاز"، ويقال أن "عبد السلام الزادمة" الشخصية الأمنية المعروفة التي يثير ذكرها الخوف لدى الليبيين والذي مات في ظروف غامضة، كان يردد في الفترة التي أسندت إليه فيها مهام بلدية طرابلس: "أَنى طرابلس نخليها كى ادْبَي"!

وفي مقاله "أسطورة دبي، متحف المستقبل" المنشور في موقع 218، الاثنين 20 يوليو 2016 يصف الشاعر والكاتب سالم العوكلي مدينة دبي بأنها "معجزة عمرانية معاصرة تنمو بفضائها الكوزموبولي في الصحراء العربية، وتسابق الزمن بشكل هستيري" وأنها "مدينة الحداثة بامتياز التي انبثقت من وسط رمال الصحراء [...] انبثقت من قلب جغرافيا العطش لتلاحق السحاب بشرفاتها".

بعد تطوير دبي كسوق لـ"تجارة العبور" أصبحت هذه السلع تدخل السوق العربية دون إعادة تغليف وإن كانت بدون هوية معلنة

شخصيا لم أرَ من دبي سوى مطارها كمحطة عبور، لكنني لا أنكر، من كثرة ما سمعت، عظمتها وتميزها. بيد أن "حالة" دبي تحتاج إلى تفحصها من أكثر من جانب، إن لم يكن من جوانبها جميعا. لقد تناول سالم العوكلي الحالة من جانبها الحداثي، أو التحديثي، المتضمن التنظيم الإداري الدقيق، وجمالية العمران. وسأتناولها أنا هنا، بعجالة، من جانبها السياسي-الاقتصادي المرتبط بالمخطط الأمريكي العام في العالم وكذلك الخاص بالمنطقة.

فمشروع دبي، جوهريا، مشروع أمريكي، أو هو مشروع غربي بقيادة أمريكية، صمم لحرمان الصين من نسبة كبيرة من الاستثمارات المالية العالمية الي كانت تحظى بها هونكنغ قبل تسليمها إلى الصين سنة 1979. وفي مقال سالم العوكلي تتم، عرضا، مقارنة دبي بهونكنغ. لست أدري إلى أي مدى نجحت هذه الغاية، لكنني أعتقد أنها كانت الحافز الأقوى وراء المشروع.

ومن ناحية أخرى تمثل دبي البوابة الوحيدة، تقريبا، التي تدخل منها البضائع الإسرائلية إلى المنطقة العربية. ففي السابق كانت عملية تسريب البضائع الإسرائلية إلى البلدان العربية تتم عبر اليونان، حيث يعاد تغليفها بهوية يونانية ومن ثم تصدر إلى البلدان العربية.

بعد تطوير دبي كسوق لـ"تجارة العبور" أصبحت هذه السلع تدخل السوق العربية دون إعادة تغليف، وإن كانت بدون هوية معلنة. يقول العوكلي في مقاله المذكور "البعض يحاول اختصارها في حيز التسوق، وإنها مجرد سوق عالمية كبيرة، لكن مدينة بكل هذه الطاقات الكامنة لا يمكن اختزالها في مفردة السوق".

إلا أنني أرى أن كونها سوقا عالمية لتجارة العبور يحتل مركز الصدارة، فعلى خلاف هونكنغ، تخلو دبي من الصناعات المحلية أو تكاد. أما وصفها بأنها "فضاء مشرع لمفهوم التبادل بكل ضروبه، الحضاري والثقافي والاجتماعي [...] فضاء مشرع للتواصل وللتعارف وللتأمل" مثلما يشدد سالم العوكلي، فيأتي كمنتج جانبي [عرضي] By product".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات