الدمار والعار ونهب الآثار

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

«خارقه!» قلتُ لصديق: «القنوات الفضائية والمواقع الإعلامية العالمية والعديد من الصحف، نشرت صورًا لخنجر ثمين للقذافي يقال إنه سُرق من قصره. لقد صادرته الحكومة التركية عندما كان ثري سعودي ينوي شراءه من رجل أعمال تركي بمبلغ عشرة ملايين دولار. وأن التاجر التركي قال إنه اشتراه من ليبي بمبلغ 4.6 مليون دولار».

«خرّف» قال صديقي ساخرًا: «ليبيا كلها نُهبت. ورؤوسها كلهم يعرفون ذلك، ولكن لم نسمع حتى الآن واحدًا فقط يستنكر ولو على سبيل المجاملة هذا النهب، الذي طال ذهبًا مدموغًا بختم مصرف ليبيا المركزي يباع في أسواق طرابلس ويطير منها للعالم أجمع، ناهيك عن آثارنا».

ثم أخبرني أن رئيس حكومة الوفاق انزعج كثيرًا عندما علم أن ثلاث قطع أثرية ليبية تعود إلى الحقبة العثمانية أهداها المهدي الحراتي عندما كان رئيسًا لبلدية طرابلس، إلى السيد أردوغان لتزيين قصره الجديد. وعندما عَلمتْ الشيخة موزة بالهدية من زوجة إردوغان زعلت فطيب لها المهدي خاطرها بقطعتين، فصار عدد القطع الأثرية التي علم بها السيد فائز السراج خمس قطع فقط. تأثر السيد السراج كثيرًا بهذه المعلومة، حتى إنه صفق بعنف شديد سطح مكتبه بيده وقال: «هذا مش معقول!» واستطرد صديقي: «أنا لا أعرف ماذا سيفعل عندما يعلم بخوارق أخرى لم يخبروه بها بعد».

لو كانت هذه المعلومة حقيقية فستكون صدمتي كبيرة في السيد الحاراتي، لأنني قرأت دوره في ثورة 17 فبراير المميز في إسقاط طرابلس، ولم استغرب أبدًا عندما اُنتُخب رئيسًا لبلدية طرابلس، وأُعجبت كثيرًا بسماحته عندما انتهت مدة مهمته أو أُقيل منها، فلقد ترك كرسيه بالسهولة التي وصل بها. وبالتالي لا أعتقد أنه من أولئك الذين يفكرون بمنطق المثل الشعبي الذي يقول «بنادق ماهي لنا وخرطوش بلاش» حتى يُفرط في تاريخنا بهذه السهولة.

أخبروني فقط، ماذا سنقول لأطفالنا عندما نحدثهم عن تاريخنا؟

ولكن هناك أسئلة أقلقتني كثيرًا: هل نحن ضمن 131 بلدًا صادقت على اتفاقية منظمة اليونيسكو للتدابير الواجب اتخاذها لحظر استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الثقافية بطرق غير مشروعة؟ هل هذه الهدايا تمت بمعرفة الجهة المخولة بالمنح؟ ثم هل يحق لأي كان أن يهدي قطعة من تاريخ بلاده من دون موافقتهم؟ ثم إن المتعارف عليه هو أن يقوم الناس بحماية تاريخهم لا أن يجعلوا منه مواد لزينة بيوت زعماء غير زعماء بلادهم.

إن الذين يُفرطون في آثارهم التاريخية هم تجار الآثار فقط. وتجارة الآثار مهنة تعود في قدمها إلى سنة 1113 قبل الميلاد، فلقد نهب مواطن فرعوني اسمه (أمينيانيفر) من مدينة طيبة المصرية قبورًا أثرية فأعدموه فوق خازوق. لقد تساوت تجارة الآثار مع المحظورات العالمية، فهي تُخبأ وتُموه وتُخزن مثلما تُخزن المخدرات والسلاح أيضًا.

يقول بعض المتابعين لا شيء يتساوى مع قيمة السلاح، المحظور الاتجار فيه زمن الأزمات إلاّ الذهب والآثار. وقال مدعٍ عام من نيويورك كان عقيدًا في البحرية الأميركية اسمه ماثيو بوغدانيوس شارك في حرب العراق في مطلع تسعينيات القرن الماضي: «غالبًا ما كنت أعثر على مخابيء تحف أثرية تجاور قاذفات قنابل وأسلحة أخرى».

فهل هناك علاقة بين (شائعات) شحنات الأسلحة التي تنطلق من الموانيء التركية ومطار الدوحة وبين هذه القطع التي أُخذت من متحف السرايا الحمراء في عز الظهر؟ أم علينا أن نعتبر أنفسنا مثل الدول التي رزحت تحت نير استعمار قوى أجنبية، فاستباحت تحفها الأثرية ونقلتها إلى مراكز بلدانها الثقافية بوصفها إما هدايا أو غنائم أو تشتريها لسبب أو لآخر. ولكن إلى الآن، لم يصنف تداول الآثار على أساس أنه وسيلة لتطييب خاطر سيدة حتى وإن كانت بحجم الملكة إليزابيث.

قصص تهريب الآثار في التاريخ كثيرة وعجيبة، فالرومان أبحروا بمسلات فرعونية كاملة صنعوا لها سفنًا صممت لنقلها ولكن أمام الناس جهارًا نهارًا، فهل نُقلت قطعنا الخمس بعلم أحد، بمَن في ذلك رئيس المؤتمر الوطني أو الانتقالي أو الرئاسي؟ ولكن المصيبة أن تطير آثارنا هكذا (دكنوني).

صحيح أنه ليس بمقدورنا في هذه الظروف أن نتصدى للصوص الآثار الهواة. ولكن أن تشحن آثارنا بمعرفة (حراس) بلدياتنا فتلك بالفعل «خارقة».

أخبروني فقط، ماذا سنقول لأطفالنا عندما نحدثهم عن تاريخنا؟ ماذا سنقول لهم ونحن لا نملك لا قطعًا نقدية أثرية، فقد هربت في الجيوب ولا تماثيل فقد حطمت لأنها أصنام، ولا نقوش قرآن فقد أُهديت لمَن لا يستحقونها؟ ولا تحفًا قيمة عادت لأصحابها قيمتها. ماذا سنقول لأطفالنا الذين تهددهم الآن انفجارات قنابل الجراد الذين نتمنى أن يحفظهم الله منها. ويرون ذات يوم آثارنا في متاحف العالم ويعرفوا أنها أُهديت لمَن أقلقوا نومهم بقنابلهم وساهموا في جعل تاريخهم دمويًّا مملوءًا بالدمار والعار.. ونهب الآثار.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات