الطريق إلى الدكتاتورية

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

شكل عنصرا التعليم والتنمية قلقا دائما للأنظمة الدكتاتورية، لأن وعي المواطن ورفاهه ومساهمته في دخل الدولة تجعله يتحول إلى فكرة المواطنة المزعجة لمثل هذه الأنظمة، فبناء نظام الاستبداد يتناقض كليا مع المواطنة التي يجب اختزالها إلى مفهوم بسيط للرعية التي تنتظر هبات الحاكم وحمايته، كما أنها تتناقض تلقائيا مع المفهوم السياسي للوطن، فيتحول إلى دولة أمنية، وفي أحسن الأحوال إلى مؤسسة كبرى للضمان الاجتماعي؛ خصوصا في المجتمعات ذات المورد الوحيد وذات الاقتصاد الريعي الذي تحرم فيه الرعية من المشاركة الاقتصادية وما يترتب عنها من مطالب ملحة بالمشاركة السياسية كشرط أساسي لأية مطالبة بإصلاحات ديمقراطية. وفي هذه الحالة ستعمل هذه الأنظمة على ضرب التعليم كقطاع مسؤول عن التربية والتأهيل المعرفي، وعلى عرقلة أية مشاريع أو خطط للتنمية بما تشكله من بيئة للرفاه والاعتماد على النفس والاكتفاء الذي سيؤدي بدوره إلى مطالب حقوقية مزعجة للدكتاتور ومنظومته.

وتجلى هذا الهاجس الأمني المتعلق بالسلطة في النظم العربية المسماة بالجمهوريات بشكل واضح، وهي أنظمة بقدر ما كانت ترطن بشعارات تقدمية كبرى، وتعتبر النظم الملكية نظما رجعية، بقدر ما كانت تفتك في الواقع بهذه الشعارات، ولم تحقق في النهاية لا تنمية ولا إصلاحات ديمقراطية ولا أية قيم من القيم التقدمية، لأنها كانت مشغولة بهاجس الحفاظ على السلطة المطلقة على حساب التفكير في أية نهضة لمجتمعاتها، بينما النظم الوراثية التي كانت تتهم بأنها نظم رجعية هي من حققت في النهاية إنجازاً مهماً في المجالات التقدمية بما فيها التعليم والتنمية، وبالعودة إلى التجربة الملكية في ليبيا يتضح هذا الاهتمام جليا، حيث كان التعليم والتربية موضع اهتمام الحكومات الأول وفي جميع المراحل، كما كان تحفيز القطاع الخاص من أولوياتها، ويرجع ذلك لكون هذه الأنظمة غير مشغولة بهاجس السلطة العليا باعتبارها مقننة دستوريا مهما اختلفنا مع هذه الدساتير. ولم يكن وعي الناس وتعليمهم وعيشهم في رفاه مصدر خوف أو قلق، بل يعتبر في نظرها جزءا من شرعية هذه الأنظمة الوراثية ومصدر فخر لها، ولم يكن اتقاء شر المواطنة بهدمها ولكن عبر استجلاب رضاها بسياسات تنموية وخدمية حكيمة، فكان الحكم الرشيد آخر ما وصلت إليه أدبيات السلطة في هذه المنطقة البعيدة جدا عن مناخات الديمقراطية الحديثة. نجح الحكم الأوتوقراطي الرشيد وفشلت الجمهوريات (التقدمية) فشلا ذريعا في تحقيق أدنى حد من القيم الجمهورية لتتحول في النهاية إلى نظم وراثية أو على طريق التوريث الذي اعتبرته لفترة طويلة صميم الرجعية السياسية.

بعد سنوات قصيرة من انقلاب 69 اتضحت النية لتدمير البنية التعليمية التي أرستها الملكية، فبدأ نظام الترحيل منذ المراحل الابتدائية الذي أوصل طلابا إلى الشهادة الثانوية والجامعات شبه أميين، وتم إلغاء مفردة التربية من وزارة التعليم، ثم توقف بناء المدارس لتبدأ ظاهرة التعليم في القيلولة لمجتمع يقدس راحة واسترخاء القيلولة، وتحولت المدارس إلى ثكنات عسكرية يأتيها الطلاب بلباس عسكري، وأصبح الضابط المسؤول عن التدريب أكثر سلطة من مدير المدرسة، لنصل إلى فكرة مجنونة تتعلق بالضابط المعلم، أو المعلم الضابط، عبر توجيه الكثير من المعلمين إلى معسكرات التدريب للحصول على رتبة عسكرية، بل إن بعض طلاب المدارس شاركوا في حروب إقليمية مثل حرب تشاد ومات منهم الآلاف في الصحراء، وفي فترة ما بدأ الغش المنظم في الامتحانات وبيعها علنا للدرجة التي نشرت فيها مجلة (لا)، بداية التسعينيات، جدولا حقيقيا بأسعار امتحانات الشهادة الثانوية في طرابلس.
كان الفساد مقصودا ومنظما ومصروفا عليه، لأن مجتمع الفساد يتعلق بالسلطة القائمة كحامية له ويدافع عنها بشراسة، وهذا ما نراه مستمرا حتى الآن في ظل سلطات تكتسب شرعيتها من هذا الفساد نفسه، فالفاسدون ذوو نفوذ، ونفوذهم سيسخر لحماية السلطة التي من جانبها تحميهم، وهي معادلة اتسمت بها على مر التاريخ النظم الاستبدادية فاقدة الشرعية.

أما التعليم العالي فكان الضحية الكبرى ليوم السابع من أبريل الذي يحتفل به سنويا، كموعد ثابت لتصفية الطلاب المتفوقين والأساتذة المتميزين، واقتصرت فرصة الدراسات العليا على اللجان الثورية ورواد المثابات الذين كانوا ينجحون بنفوذهم القوي على من تبقى من أساتذة يخافون منهم، لتمتليء الجامعات الليبية بأعضاء هيئة تدريس شبه جهلة جاءوا برسائل دكتوراه من جامعات غريبة ومناطق نائية.

تتميز عادة الجامعات في الدول الديمقراطية الحديثة بمجالين مهمين، كلية الحقوق وقسم الفلسفة، وهي مجالات قريبة جدا من المناكفة السياسية والفكرية التي تمقتها النظم الاستبدادية، وما حصل أنه تم التلاعب بأسماء هذين المجالين ليتم تفريغهما من محتواهما، فسميت كلية الحقوق بكلية القانون لأن الحقوق مفردة مزعجة، ولأن القانون المدروس فيما بعد سيركز على القوانين الصادرة في ظل هذه الأنظمة التي لا علاقة لها بالحقوق بقدر ما لها علاقة وطيدة بالعقاب الذي وصل إلى تقرير عقوبة الإعدام في أكثر من 20 حالة، منها، النكتة والإشاعة أو الإرجاف وشغب الملاعب. أما قسم الفلسفة فتم تغييره إلى قسم التفسير وأصبحت النظرية العالمية الثالثة وما يدعمها متن منهجه الذي تم تفريغه من مقررات التفكير الناقد بشكل كلي.

أذكر كل ذلك لأن الاتجاه حتى الآن مازال نفسه، ولأن ثورة فبراير بدأت بتحويل المدارس والجامعات إلى ثكنات عسكرية منذ بدايتها، وتحويل الطلاب إلى الجبهات حتى الآن، المدارس شبه معطلة، والغش في الامتحانات على أشده، والدراسات العليا مقرونة بالانتماء إلى جماعة الأخوان، والطلاب بموتون في الحروب، وغير ذلك من الخطوط نفسها التي صبغت مراحل التعليم في النظام السابق. والسبب دائما هو الهوس بالسلطة والإحساس بفقدان الشرعية.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات