لون النَظَّارات

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

أظن أن ما سُميَّ عربيا بالنكبة، بعد تنصيب دولة إسرائيل في فلسطين سنة 1948، لم تحفر في الوجدان العربي فجوة واسعة وعميقة مثلما فعلت هزيمة أو نكسة يونيو 1967. ذلك أن المناخ العربي الذي حدثت النكبة في إطاره كان مناخ سيادة الاستعمار في المنطقة وكان عدد الدول العربية التي تعتبر مستقلة سبع دول فقط، هي السعودية واليمن وسوريا ولبنان والأردن والعراق ومصر، وهي الدول المؤسسة للجامعة العربية، وكانت دولا ضعيفة عسكريا، من جانب، وغير جادة في حماية فلسطين، من جانب آخر فلم تكن تحمل مشروعا تحرريا وطنيا أو قوميا. وبالمصطلح السياسي الثوري كانت دولا رجعية، وبالتالي لم يكن منتظرا منها أن تفعل غير ما فعلت.

أظن أن ما سُميَّ عربيا بالنكبة، بعد تنصيب دولة إسرائيل في فلسطين سنة 1948، لم تحفر في الوجدان العربي فجوة واسعة وعميقة مثلما فعلت هزيمة أو نكسة يونيو 1967.

بيد أنه مع نشوء ظاهرة الانقلابات العسكرية المنتمية إلى حركة التحرر الوطني (تحديدا في مصر وسوريا والعراق) الضاج خطابها الثقافي والإعلامي بوعود تصفية آثار الاستعمار وبناء دول عصرية حديثة قوية عسكريا ومستقلة اقتصاديا و"استعادة فلسطين السليبة"، تولد الأمل لدى الشعوب العربية جميعا، وبالذات طلائع حركة التحرر الوطني بها، في مستقبل راسخ البنيان عميم الرخاء خالٍ من أي وجود أو أثر للاستعمار. لقد اكتسبت هذه الأنظمة العسكرية شرعيتها من خلال وجود إسرائيل ومن خلال المشروع التحريري الواعد الذي تبنته.

إلا أن الاستيقاظ المفاجيء من هذا الحلم البهي على هزيمة يونيو 1967 زلزل الوجدان العربي في اللب منه، لأنه دل، دلالة قوية، على الإخفاق المبرم لمشروع التحرر الوطني والقومي ولم يعد ممكنا عزو واقعة الهزيمة إلى عجز أو تواطؤ الأنظمة العربية الرجعية، فقط، مثلما كان الشأن مع واقعة النكبة. لقد كانت أنظمة شمولية استبدادية وبهزيمتها العاجلة أمام إسرائيل لم يعد واردا أن تكون أداة ورافعة للتحرر وأتاحت الفرصة لنمو الإسلام السياسي الساعي هو أيضا إلى إقامة أنظمة أشد شمولية وأنكى اسبدادا.

لقد عبر نجيب محفوظ عن هذا الإخفاق برهافة ولطف في روايته "ميرامار" الصادرة في السنة ذاتها، سنة الهزيمة، وتكونت غمامة كثيفة من السوداوية والتشاؤم في الوجدان والأفق العربيين عبر عنها في مجال الأدب ما عرف بـ"الأدب الحزيراني" الذي ينعى المستقبل.

تُرى ما لون النظارات التي سيرتديها الجيل الغض الحالي في كل من العراق واليمن وسوريا وليبيا؟!

أذكر، في هذا السياق، أنني قرأت في أحد أعداد مجلة "الهلال" المصرية الخاص بالقصة القصيرة سنة 1970 (في الفترة التي كان يرأس تحريرها الناقد المعروف رجاء النقاش) قصة بعنوان "الوباء الرمدي" للقصاص المصري مجيد طوبيا* تتحدث عن مجموعة من التلاميذ في أحد فصول الثاني ثانوي بمدرسة ثانوية يرتدون نظارات سوداء أثر خلاف مع مدير المدرسة ومعاقبته لهم بالضرب. وبدون الخوض في تفاصيل القصة هنا فإن ارتداء هذه المجموعة من الفتيان الذين لا تتجاوز أعمارهم السابعة عشرة سنة لذو دلالة هنا، وهي أن هذا الجيل الغض الذي وجد مناخ الهزيمة وآثارها أمامه صار ينظر إلى الدنيا حوله ومستقبله من خلال غمامة سوداء.

تُرى ما لون النظارات التي سيرتديها الجيل الغض الحالي في كل من العراق واليمن وسوريا وليبيا؟!

-------------------
* طبعا عدت إلى البحث عن هذه القصة في أعمال مجيد طوبيا فوجدتها منشورة في الجزء الأول من أعماله الكاملة (نسخة إلكترونية PDF) ضمن مجموعة "الأيام التالية". حين قرأت القصة أول مرة كنت في مثل عمر هؤلاء ولا يمكنني الادعاء أن هذه الدلالة كانت حاضرة في وعيي حينها. لكن القصة ظلت، لسبب غير مبرر لديَّ، عالقة بذهني، وحين استدعتها ذاكرتي مؤخرا (لسبب غامض أيضا) تولد هذا المقال!.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات