«التدابير الأزمة»

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

«إن أحببت أن تفهم ما دار، وما زال يدور في ليبيا، ومن غير (ما ادّوخ)» أنصحك بقراءة كتابين: الأول وهو ما توالي نشر ترجمته جريدة «الوسط» في حلقات أسبوعية عنوانه (الثورة الليبية وتداعيتها)، وهو في الواقع رصد مباشر لأحداث الثورة وتعزيزها بشهادات من شهود عيان، ناهيك أن القسم السادس من الفصل الأول، الذي كتبة (إيان مارتن) وهو الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس بعثتها لدعم ليبيا من سبتمبر 2011 إلى أكتوبر 2012، وأن ما كتبه يبين آراءه وليست وجهة نظر الأمم المتحدة. ومن هنا كان عندي مساويًا في أهميته للكتاب الثاني، وهو الذي نشره السيد طارق متري عنوانه (مسالك وعرة) ويبين ما جرى في مهمته التي تواصلت في ليبيا، ومن أجلها مثلما ذكر.

استنجدت بسيدي عبدالسلام أن ينتقم لي منهم! ويمسح روسيا من على الأرض، ولكن سي عبدالسلام، لم يعرني انتباهًا إذ يبدو أنه يعرف ما لم أعرفه. لم يخطر ببالي أن (التدابير الأزمة) هي لمصالحهم وليست لمصالحنا.

الكتابان يضعان أمامك الأحداث وتداعياتها بوضوح وبساطة بدرجة لن يكون معها مجال لدوخة إلاّ إذا بحثت عنها بعيدًا عن الكتاب للهروب من مرارتها. خد مثلاً ما وضحه له المندوب الروسي في الأمم المتحدة السيد (فيتالي تشوركين) الذي لم يخف عنه شكوكه في نجاح العملية الانتقالية في ليبيا، وقد وافقه السيد متري على قوله «إن الدول التي تدخلت في ليبيا ستضغط على حسب ما تقتضيه مصالحها. فإذا أدّى الضغط إلى الإخفاق في تأدية هذه المهمة ستتحمل الأمم المتحدة المسؤولية، فتتجنب بذلك الإقرار بفشل سياساتها هي أو تراجع اهتماماتها، فالأمم المتحدة أقرب إلى (كبش فداء) جاهز تتنصل الدول منها متى شاءت وتلقي اللوم عليها إذا رأت ذلك مناسبًا» ثم يقول: «إن روسيا تفهمت دافع حماية المدنيين الذين تهّددهم كتائب القذافي بمجزرة كبيرة غير أنها لم تكن مرتاحة لعبارة (التدابير الأزمة) -هذه التدابير ما زالت تمارس حتى الآن- فهي التي تَبين لاحقًا أنها أعطت الدول المتداخلة، المنضوية في حلف شمال الأطلسي، نوعًا من الشرعية بالذهاب إلى أبعد من حماية المدنيين».

أذكر أنني كتبت مقالة في يوم 21. 4. 2011 عن تصريحات السيد وزير الخارجية الروسي (سيرجي لافروف) التي قال فيها: «إن الدعم الغربي للثوار الليبيين ينطوي على مخاطر جسيمة» فقلت في مقالتي إن تصريحاته هي أكثر ما سمع الليبيون من تبجح واستفزاز. وقلت كلامًا ناريًا كثيرًا آخر، بل واستنجدت بسيدي عبدالسلام أن ينتقم لي منهم! ويمسح روسيا من على الأرض، ولكن سي عبدالسلام، لم يعرني انتباهًا إذ يبدو أنه يعرف ما لم أعرفه. لم يخطر ببالي أن (التدابير الأزمة) هي لمصالحهم وليست لمصالحنا.

في كتاب السيد متري الكثير من الأحداث التي توضح للمتابع أن ما حدث من أربع سنوات يفسر ما يحدث الآن، بل يساعد كثيرًا في معرفة إلى أين بلادنا متجهة. منذ أيام فسر لي صديق متابع أن الخوف الحقيقي ليس من دواعش سرت ولكن من خلاياها النائمة في طرابلس، والآن يفسر آخر أن دواعش سرت مجرد مسرحية للسيطرة على حقول النفط، وأنها خطة غربية وضعت منذ أكثر من عام تحت بند (التدابير الأزمة) للسيطرة على النفط، وإنفاقه بإشرافهم ولعل مبادرات التسليح على رأس القائمة، على الرغم من أن السلاح المبعثر في ليبيا كافٍ لقيام ربيع في أفريقيا، وآسيا، وأميركا اللاتينية، أما أوروبا والولايات المتحدة الأميركية فهي تعيش في ربيع على طول نتيجة تدابيرها المريبة أحيانًا.

أما خلط الليبيين ما بين الاتحاد الأوربي وبين الأمم المتحدة، فهو في تقديري من أهم الخوارق التي دست مع عبارة (التدابير الأزمة) التي دفعت روسيا إلى الامتناع عن التصويت بدلاً عن حق النقض، لأنها تتفهم ضرورة حماية المدنيين ولكنها مثلما قال مندوبهم (فيتالي تشوركين) لم تكن مرتاحة لعبارة لتفويضها باتخاذ (التدابير الأزمة) لتنفيذ العمل فقامت، وما زالت تقوم بكل ما يخدم مصالحها.

المؤلم أن المتابع يسمع آراء الأطراف كلها، وأصبح  ينزعج من عبارة صارت ملزومة السياسيين خلاصتها إما: «صحيح أن لحكومة الوفاق الحق في تدابيرها ولكن لابد لها من شرعية البرلمان» أو «لابد من موافقة البرلمان ولكن حكومة الوفاق معها الحق لمعالجة واقعنا المرير» فتقول في سرك: «بالله السيد (فيتالي تشوركين) عنده حق عندما قيل على لسانه في صفحة (33) من كتاب "مسالك وعرة" أنه أبدى شكوكه في نجاح العملية الانتقالية في ليبيا. أليس هذا ما نراه الآن؟»

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : عبد الهادي

    15.06.2016 الساعة 20:40

    شكرا أستاذ محمد على مقالاتك الرائعة..عنوان هذا المقال اعتقد أن به خطأ حيث يجب أن يُكت «التدابير اللازِمَةُ» لا «التدابير الأزمة»..ولكم الشكر عبد الهادي