وصف البدعة

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

في كثير من أفلام الجريمة الأمريكية تكون ملامح المجرمين وهيئاتهم آسيوية، أو أمريكية لاتينية، أو من جنوب البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط، ناهيك عن الزنوج الأمريكان، وليس بملامح الأمريكان البيض المتحدرين من أصول المستعمرين الأوربيين.

وفي كثير من الأفلام الفرنسية أيضا يظهر المجرمون متحدرين من المستعمرات الفرنسية السابقة في شمال أفريقيا ويتم تسريب ذلك بسلاسة، فإذا لم يكن المجرم يحمل اسما دالا على أصوله يتم إظهاره في مشهد يزور فيه عائلته وتظهر أمه أو أبوه بالزي التقليدي الدال على الأصول ويتم الحوار بعامية البلد المعني.

الرسالة واضحة جدا: الشر والفساد وزعزعة الأمن، كلها، تأتي من الخارج. من هذه "الطفيليات" التي احتضنها المجتمع الأمريكي-الأوربي النقي أو المجتمع الفرنسي المتحرر المتسامح! لقد منحناهم فرصة أن يفسدوا حياتنا ويصبحوا عبئا علينا.

قابلناهم بالحسنى فردوا علينا بالأذية! ويتم تجاهل مسألتين: أن هذا الجنس "النقي" لا يخلو من المجرمين "الأنقياء" وأن النسبة الأعلى من الجريمة بين غير "الأنقياء" ناتجة عن تهميشهم من قبل الفئة الأولى. أي أن الفئة الأولى مسؤولة عن نسبة الانحرافات العالية بين الفئة الثانية.

ظهر مصطلح التطهير العرقي Ethnic cleansing على لسان أحد مراسلي الـ BBC أثناء حرب البوسنة بداية التسعينيات

هذا موقف عنصري لا يطفو فوق الماء (لأنه بالغ الكثافة) ولا يخترقه الضوء (لأنه مصمت شديد الإظلام) يتوجه نحو "الآخر" الذي أصبح، عبر عمليات تاريخية، جزءا من نسيج "الأنا"، ومع ذلك مازالت هذه الأنا تقاومه وترفضه باعتباره علة وزائدة من زوائدها.

ثمة موقف آخر أشد عنصرية وضيق أفق من هذا، وهو ذلك الذي يستهدف، ليس مواطنين من أصول مختلفة عن أصل أصحاب الموقف العنصري، وإنما مواطنين من نفس الجنس واللون والدين والمذهب، يغنون نفس الأغاني ويطبخون نفس الطعام ويقولون نفس العبارات في الطقوس الدينية والاجتماعية! ذنبهم الوحيد أنهم انتقلوا، لظروف ما، للإقامة في مدينة أخرى فتعلَّق عليهم ما يحدث في المدينة التي انتقلوا إليها من شرور ويكونون مادة للتندر.

المثال الواضح في هذا الموقف ما نعايشه يوميا في ليبيا حيث ترتفع أصوات جهيرة، في بعض المدن التي أصابها داء الإرهاب وأضر بها إضرارا فادحا، بالقول أن مصدر الشرور أتى من تلك الفئات التي تتحدر أصولها من مدن أخرى، من "شياطين" دخيلة (حتى لو كانت تتحدر من وافدين إلى المدينة منذ قرون) وليس من "ملائكة" المدينة ذاتها.

ويذهب البعض إلى ما هو أنكى من ذلك: إغلاق المدينة في وجه "الأغراب" وتحويلها إلى غيتو، أو إلى مدينة- دولة على غرار مدن وادي الرافدين القديمة أو المدن اليونانية. فـ"الباب الي يجيك منه الريح سده واستريح" كما يقول المثل الليبي. أي يتلاشى مفهوم الوطن والمواطنة الذي في أساسه حق المواطن في التنقل والعمل والتملك والإقامة في أي جزء من أرض البلد الذي يحمل جنسيته.

وبفرض أن هذا الصوت العنصري المصمت هو الذي قيضت له السيادة وتمكن من تطبيق عمائه (ولا أقول رؤيته)، فماذا سيحل بأولئك "الأغراب" الموجودين بتلك المدن وأصبحوا يمثلون جزءا من نسيجها الاجتماعي؟ كيف ستكون آلية "تطهير" المدينة منهم؟ هل ستقام لهم معتقلات جماعية؟ هل سيُلقى بهم خارج حدود المدينة؟ هل ستتم إبادتهم؟.

وأية صفة سنطلقها على هذا "التطهير"؟ لقد ظهر مصطلح "التطهير العرقي Ethnic cleansing" على لسان أحد مراسلي الـ BBC أثناء حرب البوسنة بداية التسعينيات، لأن الحرب كانت قائمة هناك بين ثلاث عرقيات. فهل سنضطر إلى انتظار أحد مراسلي الـ BBC ليَسُك لنا مصطلحا وافيا بوصف بدعتنا؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات