أبواب الشر و(العوايا)!

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

بامتداد ساحل المتوسط الجنوبي انتشرت أبواب ليبيا البحرية، ظلت منذ فجر التاريخ أبواباً للشر أكثر منها للخير. منها جاءنا الغزاة: فينيقيون، إغريق، رومان، مالطيون، أتراك، أميركان، طليان، ألمان، إنجليز، وأخيرا وصلتنا قوارب الموت بمختلف مسمياتها.

عبر هذه الأبواب وصل الغزاة للقرى الآمنة، ومنها أبحرت إلى العالم الجديد سفن تجار الرقيق بمن جمّعوهم من بشر ما كانوا يعتبرونهم بشرا. وحمّلت البوارج الإيطالية الليبيين المنفيين إلى جز إيطالية. والغريب أن التاريخ يؤكد أن الليبيين، أهل برقة تحديداً، هم الذين أوصلوا الحصان إلى الحضارة المينوية، التي قامت بجزيرة كريت قبل 2500 سنة قبل الميلاد.

من كان يتصور أن بنغازي التي لم تصدّر إلاّ الخير لليبيا كلها تصير مستهدفة من الليبيين قبل غيرهم

والبحر عدو العجائز، فهو الذي يبتلع بعولتهن، ويخطف أطفالهن. كانت والدتي، رحمها الله، تذكرني كلما أقبل الصيف بأن «البحر لابد أن يأخذ رقبة كل عام، فحاول ألاّ تكون رقبتك! انتظر أن يأخذ رقبة غيرك، ثم اقفز فيه كما تشاء!» كان البحر عند أمي هو رصيف القبطنارية، في بنغازي، وبئر الجمل في شاطئ الشابي!

وكبرنا، وامتهن البعض منا صيد السمك، وأيضاً الغطس واستخراج مخلفات الحرب العالمية الثانية. خدعتهم رياح «القبلي» وليس البحر. أخذ القبلي قواربهم إلى «الفند» هناك في «لأزرق»، ثم قلبهم، وابتلاعهم. وخدعتهم (الجولاطينا)، فمن لم تأخذ رقبته، أخذت طرفاً من أطرافه. وللذين رحلوا غنَّى رفاقهم بحزن جليل: «غدار البحر غدار» و «بابور بالا راح في تياره .. خش البحر ماشينك خباره».

واستمر البحر بوابة للشر، حتى ارتبط نفير البواخر: أو «عواية البابور» بفرص العمل، قبيل وبُعيد تفجر البترول. كانت الباخرة تعلن عن وصولها بالنفير، يعنى هناك بضائع يتعين تفريغها، وملح كركوره، وقمح المرج، وحلفاء وادي الباب، وفي سلوق يتعين شحنها ما يعني فرصا للعمل في مدينة دكتها قنابل الحرب العالمية الثانية، وتركتها مجرد أطلال، حيث يتمطى الفقر والبطالة عند نواصي شوارعها.

-«الحساب على العواية!» هكذا يقول المواطن الذي يستدين من البقال، أو من مقهى الحي، فهو سيدفع ما عليه من دين بمجرد أن يتوافر العمل بتفريغ شحنة الباخرة ثم تحميلها. كله كان (عالعوايه)!! أو على الغيث النافع، الذي يغيب أحياناً، أما العواية فتتأخر ولكنها لا تغيب. إلى أن تفجر البترول في الصحراء، وانطلق الليبيون نحو الاتجاه المعاكس، نحو الصحراء، التي ابتلعت هي الأخرى الكثيرين منهم.

يا لهذا العمر المزرى، بحرنا يبلعنا، وصحراؤنا أيضاً وبعدما عرفنا كيف ننجو من فخاخ البحر والصحراء، انتصبت لنا مشانق في الميادين، وبعدما أسقطنا من نصبها، انفتحت أبواب البحر وأبواب صحراوية أخري بالشر وانطلقوا منها نحونا بالنار والحديد، والذبح والحرق والدمار. رفعوا شعارات مخادعة وأفنوا شبابنا بشعارات لا علاقة لها لا بالدين ولا بالعرف. يا لهذا البؤس، من كان يتصور أن ميناء درنة يصير بوابة للشر وميناء المريسه بوابة للدمار والقتل والتنكيل؟

من كان يتصور أن بنغازي، التي لم تصدّر إلاّ الخير لليبيا كلها تصير مستهدفة من الليبيين قبل غيرهم! من يتصور أن «رباية الذائح» يصير أهلها «ذوائح». صحيح أنها استُهدفت، ولكن لا ينبغي أن ننكر ما فعله بعض من أهلها. فما كان لأحد أن يدخلها، ناوياً لها الضرر ويفلح ما لم يسهل له أحد أبنائها دخولها والخروج منها. فنحن أحياناً نذلل صعاب دخولها سواء بنية حسنة، أو بطمع في منصب أو مال.

أذكر في ثمانينات القرن الماضي، جاءني صديق مستنجداً أن أتوسط إليه مع إدارة الموانيء بسبب مخالفة لسفينة كان يوفر لها احتياجاتها، أخبرني أن المخالفة بسيطة لا تتناسب وقيمة الغرامة، فكل ما حدث أن القبطان دخل الميناء وأوثق حباله بالرصيف من دون أن يثبت الدوائر التي تمنع خروج الجرذان من السفينة، مؤكداً أن الباخرة كانت في الصيانة والتعقيم وهي خالية من أية قوارض، أو حشرات.

وعندما شرحت سبب زيارتي للمسؤول في ذلك الوقت، فسر لي أن إهمال مثل هذه الموانع قد يتسبب في كارثة لا يتصورها عقل. قد لا تعلم أن ضرورة تثبيت موانع تسلل الجرذان قبل دخول الميناء، صار قانوناً منذ القرن الخامس عشر الميلادي، تماماً بعد كارثة الموت الأسود، الذي يعد أكبر مصيبة ألمت بأوروبا، وهي التي أفنت أكثر مما أفنت القنابل الهيدروجينية.

الموانيء هي أبواب البحر أبواب للخير والشر أيضاً

والسبب تلك السفينة التي وصلت من الشرق الأقصى محملة بالتوابل والبهارات والجرذان التي نزلت مع البحارة في مدينة (جنوا) واختلطت مع الجرذان المحلية ولا أحد يدري سبب نفوقها، فقد امتلأت الشوارع بهذه الفئران الميتة، ولم يهتم أحد بها، ففي ذلك الوقت كانت شوارع أوروبا تعج بالقاذورات والجرذان والخنازير.

لم يطل الوقت حتى بدأ المرض، إن أقعد فرداً من أسرة لحقت به الأسرة كلها، ثم يصيب الشارع كله. كانت تلك المرة الأولى التي عرفت فيها أوروبا وباء الطاعون الذي جعل الآباء يفرون من أطفالهم، والأزواج من زوجاتهم لدرجة أن بعض رجال الدين يهربون من الصلاة على الموتى. انتشر الطاعون في أوربا كلها، وقضى على نصف سكانها.

- "كل ذلك بسبب موانع تسرب الجرذان الأجنبية! إلى بلادهم "كذلك قال صديقي المسؤول. تجرعت بقية قهوتي وغادرت متأسفاً على إزعاجه، وأيضاً جهلي.

الموانيء هي أبواب البحر، أبواب للخير والشر أيضاً. وما كان للشر أن ينتشر في بلادنا، لو أحكمنا السيطرة على هذه الأبواب. لقد سخرنا من بعض المدن الليبية وهي تحكم السيطرة على موانيها ومداخلها، لدرجة أننا أسميناها بالشقيقة، ولكنها كانت على حق، وإن كانت قد غفلت عما يخرج منها من جرذان، لا أعتقد أنها أجنبية كلها.

فلنحكم السيطرة على أبواب بلادنا وننير طريق أطفالنا، ونفسر لهم كل شيء بوضوح وصدق وخشية الله ومن دون الإفتاء من دون علم، وتحميل أخطائنا وفشلنا على حقبة كان لها مساوئها وأيضا مناقبها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات