الديمقراطية كالعزف على الكلافير

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

شرح باخ كيف أن العزف على الكلافير سهل جدًّا: «عليك فقط الضرب على المفتاح الملائم بالقوة الملائمة وبالوقت الملائم».

يبدو أن كل شيء في متناول الجميع، الضرب والمفتاح والقوة والوقت، لكن المشكلة تكمن في (الملائم) ولأجل أن يكون كل شيء ملائمًا تحتاج إلى الموهبة والفكر الموسيقي والأذن الموسيقية والتدريب لسنوات، وإلا سيكون العزف دون هذه (الملائم) ضجيجًا يجعل الآخرين يضعون أصابعهم في أذانهم.

في المجمل تشكل هذه الخلطة النضج الاجتماعي الملائم لتكون الديمقراطية سهلة كعزف على آلة الكلافير بأصابع محترفة تعرف المفتاح والقوة والوقت الملائم للضرب.

على المنوال نفسه، من الممكن أن أقول إن الديمقراطية سهلة جدًّا: عليك فقط أن تمارسها بعقل ملائم في مجتمع ملائم وفي الوقت الملائم. وتظل المشكلة قائمة في (الملائم) نفسها. فالعقل متوفر والمجتمع والوقت أيضًا. لكن لكي يكون العقل ملائمًا عليه أن يخوض سنين طويلة من التمارين على الحوار والاختلاف، وأن تصبح الفلسفة والعلم من مكوناته المهمة، وهذا يحتاج إلى تربية منزلية ومناهج دراسية وطرق تدريس... إلخ. ولكي يكون المجتمع ملائمًا عليه أن يتشكل من أفراد تنطبق عليهم سمات العقل السابق، وأن يكون المجتمع مرفهًا واقتصاده قويًّا ومؤسساته قائمة، أما الزمن فحكاية أخرى ولكي يكون ملائما لابد أن ينتمي للعصر وللحداثة. وفي المجمل تشكل هذه الخلطة النضج الاجتماعي الملائم لتكون الديمقراطية سهلة كعزف على آلة الكلافير بأصابع محترفة تعرف المفتاح والقوة والوقت الملائم للضرب.

البعض يعتقد أن الديمقراطية سهلة بالممارسة الشكلية لها، عبر وضع ورقة في ثقب صندوق وغطس الإصبع في الصبغة والتقاط صورة سيلفي مع الإصبع البنفسجي. أو من خلال ترشيح شخص لنفسه والفوز والدخول إلى البرلمان بالطريقة نفسها، ليظهر علينا كل يوم في الشاشة يتحدث عن الديمقراطية وعن الشرعية بلغة استبدادية، وبنسف خصمه في الحوار ويتهمه بالعمالة حين يختلف معه. ولو بالكذب. المثال الواضح حين اختلف، في ندوة تلفزيونية، إدريس بن الطيب مع بالقاسم بويصير (الذي كان يعتقد طالما أن إدريس من بنغازي فسوف يصب جام غضبه على حكومة الوفاق لأنها بالنسبة لبويصير حكومة غرابة) خذله إدريس لأنه تحدث عن الوقائع وعما حدث كما هو، ولأنه صب جام نقده على البرلمان الذي ترك فراغًا للتلاعب، ولأنه ينتقد البرلمان لأنه يمثله، ويمثل كل مَن أدلوا بأصواتهم من الناس لكي يكون هناك شيء اسمه برلمان. ونظرًا لهذا الخذلان فما كان من بالقاسم إلا أن يضرب تحت الحزام، ويستعين بالكذب على الهواء وأمام المشاهدين، ويقول: «يبدو أن إدريس يدافع عن السراج كما كان يدافع في الثمانينات عن النظرية العالمية الثالثة». وفي ذلك الوقت كان إدريس يعذب في سجون القذافي. مشكلة مثل هذا الكذب الموجه على الهواء مباشرة إلى أجيال لا تعرف ما حدث، يجعل بعض الشباب يتساءلون باستغراب، وهذا ما حدث حين وجه لي بعض الشباب الذين يعرفون علاقتي بإدريس هذا السؤال: هل حقًا كان إدريس عضوًا في المثابة الثورية؟ حدثتهم عن مواقفه وعن تاريخه النضالي، لكن لا يمكنني أن أصحح أكذوبة وأنا في طابور الخبز صنعها بويصير على الشاشة وعلى الهواء مباشرة، وكما يقولون لا تشتمني في الشارع وتعتذر لي في زقاق.

للحديث شجون، لكن أعود لأؤكد أن مثل هذا النموذج الذي يضرب تحت الحزام حين تفحمه متوفر بكثرة على شاشات التلفزيون، وهو يرطن بالديمقراطية وحرية الاختلاف. فهو يرغب أن يكون ديمقراطيًّا، لكنه يمارس الديمقراطية بعقل غير ديمقراطي في مجتمع غير ديمقراطي في زمن ما قبل الحداثة. كمن يعزف على كلافير لأول مرة في حياته معتمدًا على الضرب على المفتاح والقوة، وتخيلوا النغم الصادر.

هو يرغب أن يكون ديمقراطيًّا، لكنه يمارس الديمقراطية بعقل غير ديمقراطي في مجتمع غير ديمقراطي في زمن ما قبل الحداثة. كمن يعزف على كلافير لأول مرة في حياته معتمدًا على الضرب على المفتاح والقوة، وتخيلوا النغم الصادر.

فقدان مفردة «الملائم» هي التي جعلت أعضاء «المؤتمر الوطني» الذين وصلوا إليه وفق الطقوس السابق ذكرها، من ورقة وصندوق وصبغة، يتشبثون بمقاعدهم بعد انتهاء فترتهم الدستورية. فالديمقراطية بالنسبة لهم سلم تصعد عليه وحين تصل ترفعه معك حتى لا يصعد أحد بعدك، وهي التي جعلتهم بمجرد أن يخسروا الانتخابات الديمقراطية الجديدة يستبدلون صناديق الاقتراع بصناديق الذخيرة، والصبغة البنفسجية بصبغة الدم الحمراء. وأعضاء مجلس النواب المنتهية ولايته يفعلون الشيء نفسه، لأنهم مازالوا في المرحلة التي يصعب فيها على عقولهم أن تغادر السلطة والامتيازات بإرادتها وبشكل سلس، وهي المرحلة نفسها التي جعلت القذافي يستمر أربعة عقود ويعاند متشبثاً إلى أن قُتل. فالعقل غير الملائم للديمقراطية لا يمكنه أن يسمح لشخص آخر بالجلوس على كرسيه، والمجتمع غير الملائم للديمقراطية هو الذي لا يوجد فيه ما يسمى (الرئيس السابق)، فقط الرئيس راحل أو المقبور أو المخلوع.

تعجبني النكتة الرائجة التي تختصر كل هذا الكلام التي مفادها: الحاكم العربي مثل المرحاض العربي عليك أن تكسر أرضية الحمام كله كي تزيله، والحاكم الإفرنجي مثل المرحاض الإفرنجي تحتاج إزالته لفك أربع براغي في خمس دقائق ودون أن تكسر شيئًا.

ننسى بعدها الحديث عن الديمقراطية وتداول السلطة وكل الترف السياسي، ويصبح همنا الوحيد هو وجود الدولة على الخارطة من عدمه.

يذكر ألبرتو مانغويل في كتابه «يوميات القراءة» العبارة الأخيرة من مقالة نشرها في جريدة «لوموند» بعد عودته من زيارة لبلده الأصلي الأرجنتين العام 2000، مفادها: «الآن لم يعد للأرجنتين وجود، والسفلة الذين دمروها لا زالوا أحياء».

وعلى المنوال نفسه، نخشى أن نقول يومًا: لم يعد لليبيا وجود، والسفلة الذين دمروها لا زالوا على قيد الحياة. أرجو أن لا تكون هذه العبارة واردة يومًا ما، وأتمنى أن تحيا ليبيا ويموت السفلة الذين سعوا لتدميرها. أولئك الذين انتخبناهم أو لم ننتخبهم بنفس طريقة العزف على الكلافير السابق ذكرها مع حذف مفردة «ملائم».

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات