وطني وجدتي ورفاقي وحفيدي

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

علمني كيف أقرأ، وكيف يُلعب الشطرنج فصرت فيه ندا له. مباراة تلك الليلة كانت صعبة للغاية تقادم الليل ولم ننهها، فأجلناها لليوم التالي. صحوتُ متحفزاً، ولكن صادق سبقني. وجدته مع تبغه وقهوته الصباحية.

وضعنا رقعة الشطرنج بيننا. قبيل الظهر بقليل انفرجت أساريري، نقلة ثم الثانية وقلت له ضاحكا: "كش ملك. البركة في راسك ملكك مات". رفع رأسه وقال لي متبسما: "وانت كش (جتك) البركة في راسك جدتك ماتت".

كانت قسمات وجهه جادة. لم أحس أنها دعابة. نظر إلى متبسما. سألني: "متى رأيت جدتك آخر مرة؟" أجبته من حوالي شهرين. قلت في نفسي لعله يريدني أن أتحدث عنها. أنا أعرف أنه يستمتع بحديثي عنها، فهو يعرف كم هي قريبة مني. أجابني عبر دخان تبغه بابتسامة ميتة، وقال بهدوئه المتميز: "وحياة أبنائك لن تراها مرة أخرى. جدتك ماتت".

أيقنت أنه يعني ما يقول فسألته: "من أخبرك؟" أجابني: "زوجتك أول أمس وطلبتْ مني أن أخبرك (بشويش). لم أهتدِ إلى (بشويش) اليومين الماضيين". ثم استطرد متبسما: "وجدتها الآن، لنتشارك في أحزاننا؛ أنا على ملكي وأنت على جدتك ".

تركت صادق النيهوم وطرت إلى طرابلس ومنها إلى هون، ذهبت مباشرة إلى المقبرة. جلست عند قبرها أخبرتها كم أنا أحبها وأن العالم فقد ألوانه بعدها واعتذرت لها مرة أخرى فوق المرات السابقة: " سامحيني يا جدتي، فعندما دعوتِ علىّ بفأس في رأسي قلت لك وأنا غاضب، إن شاء الله في رأسك أنتِ؛ لم أقصد ذلك أبدا. سامحيني. أنت تعرفين أني أحبك جدا" وقد سمعتها من تحت تراب هون تسامحني. جلست زمنا في صمت وحزن جليل ثم غادرت.

أنا قلت لك ذات مرة أن معمر قال لي بعدما أعطيته نسخة كتابك نقاش صاحبك صادق وصدوق واجد

بعد 11 سنة جئت إلى بنغازي مع جثمان صادق. وسّدوه الثرى وغادروا. جلست عند قبرة قلت له: "صادق يا صديقي تحية طيبة وبعد. ولكنني ما زلت أحمل في قلبي غصة إفساد فرحتي بعدما انتصرت على ملكك ذلك اليوم، فأنت زلزلت روحي بإعلانك موت جدتي، التي علمتني بفطرتها ماذا تعني الإنسانية؟ ثم أنا على يقين أنني انتصرت عليك بجدارة في تلك المباراة، فلا تقل الآن كعادتك عندما تموت أنك خسرت عمدا، أنا أعرف أنك لا تحب الهزيمة مثل همنجواي تماما.

صادق يا صديقي: "أنا قُلت لك ذات مرة أن معمر قال لي بعدما أعطيته نسخة كتابك " نقاش": صاحبك صادق وصدوق واجد. وأقول لك الآن، أنه فيما كانوا يُنزلون جثمانك من الطائرة، هاتفني وعزاني فيك. سامحني حاولت أن أقنعهم أن يضعوك بجواري في ممر الطائرة ولكن قائد الطائرة اعترض. قال صادق لن يترك المضيفات في شأنهن. صادق يا خويا مربوحة. اربح بالسلامة يتولاك الله بواسع رحمته ويسكنك فسيح جناته".

كان يوسف من أقرب أصدقاء صادق النيهوم، الذي قال ذات مرة في معرض حديثه مع خليفة الفاخري ما معناه: " أنا لا أعرف كيف صار يوسف عسكريا؟ صدقني ما كان له أن يكون كذلك. يوسف يمتلك حسا إنسانيا مرهفا جدا، وموهبة ليكون كاتبا حقيقيا. أتعرف أنه كتب مقالا وهو طالب بالمرحلة الإعدادية في صحيفة فزان عنوانه (مفهومي للسعادة) أخبرني عنه محمد الطشاني رئيس التحرير، وصرف له أربعة جنيهات كاملة مكافأة عن المقال، ولكن لا أعلم لماذا استبدل يوسف القلم بالبندقية؟".

أنا التقيت يوسف الدبري، في مطلع السبعينيات مساء ليلة ربيعية في (سانية حمد الكوافي) كانت ملتقى لشلة متميزة من شباب بنغازي: منهم رشاد الهوني، يوسف الهدار، عبد الحق الورفلي، خليفة الفاخري؛ رحلوا جميعا إلى مغفرته، لم يبق منهم على قيد الحياة سوى مفتاح الفرجاني.

لم ألتقه بعدها سوى مرات قليلة في مناسبات مختلفة. لم تربطني به صداقة متينة وإن كنت أحترمه وأقدره بناء على شهادات مشرفة تقال في حقه من كثيرين، ولكنني لم أغب عنه هنا في القاهرة، كنت أجده وحيدا ساهما؛ من بعد أن فقد حفيده، الذي قال لي عنه ذات مرة: "كنت أعتبره صديقي الوحيد الذي سوف يزورني ذات يوم مثلما زرت جدتي.

كان يلعب بجانبي. بعد قليل عادوا به إلى ميتا" صمت قليلا ثم قال لي عبر دموع صامته: "لا أدرى لماذا يأخذ الله مني من أحبهم؟" غمره لدقائق حزن جليل، قبل أن يستطرد ضاحكا: "حييه عليك بديت انحبك".

كان الكثير منهم قد تخلوا عنه، فلم يعد الفريق يوسف مثلما كان قبل سقوط القذافي الذي مثلما يقول القريبون منه، أنه يحب يوسف كثيرا ويثق فيه ثقة لا متناهية. بل كان من القلة التي تقابله في أي وقت، بل ويتحدث معه بأريحية صديق مع صديقه.

قال لي يوسف ذات مرة ونحن نتحدث عن معمر القذافي: "بالله عليك كيف لا تحب إنسانا تشعر أنه يتنفس حبا لك؟ لم أكرهه أبدا، أنا أبادله الحب نفسه، ولن أقول في حقه كلمة سوء واحدة، صحيح أنني أبديت انزعاجي وتذمري مما يحدث من ظلم في عهده. أذكر أنني زرت السجن ذات يوم فاقترب مني شاب ملتحٍ، بنظرات منكسرة، وقال لي: "ألم تعرفني يا يوسف؟" الشهادة لله أنني لم أعرفه ابدا.

قال لي: "كنت أشاركك مقعد الدراسة في مدرسة الزاوية" تذكرته فاحتضنته لا شعوريا: "طمزيني؟ ماذا تفعل هنا؟" أجاني أنه محكوم بالإعدام، وعرفت أنها قضية ملفقة لا أساس لها من الصحة. ذهبت مباشرة، منفعلا إلى معمر القذافي:" قلت له يا معمر يا أخي لا أظن أنك أشركتني في تنظيم الضباط الأحرار لأسجن الناس، بل وأعدمهم ظلما: محمد إبراهيم الطمزيني رفيق فصلي في المدرسة، أعرف أنه مظلوم، كل ما وجدته في ملفه تهم ملفقة.

ولابد أن غيره كثرون. بالله عليك لا تجعل منا سجّانين وقتلة. أنت تعرف أنني تركت الشرطة العسكرية لأنني لا أتحمل أن أرى غريبا وراء القضبان، فما بالك بزميل. كانت السيدة صفية حاضرة، أقسم بالله أنها زغردت وقالت: (الحمد لله، يا معمر، أن محبتك له لم تضع هباء، إنه يقول الحق)". صديقي محمد بشير الغرياني كان هو الآخر محكوما بالإعدام وكان في سجن انفرادي أقسم لي شخصيا أن يوسف عندما علم أنه مسجون جاءه وسمع منه، وبعد ثلاثة أيام استصدر له أمرا من القذافي وأطلق سراحه.

ولقد سمعنا جميعا، في عدد من القنوات، من بعد ثورة فبراير شهادات مشرفة في حقه من مسجونين سياسيين منهم: السادات البدري، وصالح الغزال، وكثيرين غيرهم كتبوا شهادات في حقه بأيديهم وقدموها لذوي الشأن في سجن مصراتة. عرفت من يوسف أنه كان في الجفرة ثاني أيام عيد الفطر سنة 2011 عندما كان منسقا لشعبيتها.

ما لا يعرفه الذين صاروا على هرم السلطة التي حجبت عنهم أعزاء قوم لم يتشوهوا ولكن ذلتهم الغربة والظلم

مرّ على وزارة الدفاع لم يجد أحدا سوى بضعة جنود بادلهم تهنئة العيد وذهب إلى بيته. في الليل قصف الناتو مقر الوزارة، مات الحراس باستثناء واحد منهم زاره في اليوم التالي، وعلم منه أن المرحوم أبوبكر يونس قد غادر إلى سوكنه، أما الريفي على الشريف فقد أعد العدة ورحل إلى النيجر. قال يوسف: "لم يعد أحد هناك، طلبت من الجنود ألاّ يقاتلوا أبناء وطنهم عندما يصلونهم، فالأمر حُسم ولا داعي للتقاتل" طلبت من سائقي أن يأخذني إلى مصراتة.

في السدادة قدمت نفسي إليهم. أخذوا سيارتي ونقلوني في سيارة مسلحة إلى مصراتة. هناك وضعوني في مكتب. لم يطل الأمر حتى نقلوني إلى فيلا، ظللت بها لشهرين معززا مكرّما. أعطوني جوازي وقالوا لي أنت حر. لم أستطع العودة إلى طرابلس لأن مسكني غنموه، استباحوه كله، بما فيه من مقتنياتي ومقتنيات بناتي وزوجتي. تدخلت زوجته، قالت بلوعة: "صورنا العائلية لممتها من الشارع، لم أجد شيئا من مقتنياتي. فخرجت لا أعرف الى أين؟ فغادرت إلى القاهرة ثم لحق بنا يوسف وما زلنا بها حتى الآن".

ما لا يعرفه الذين صاروا على هرم السلطة التي حجبت عنهم أعزاء قوم لم يتشوهوا، ولكن ذلتهم الغربة والظلم، هو أن السيد الفريق يوسف عبد القادر الدبري أخرجوه من بيت خُصص له، في القاهرة، ولكنه لم يسجله باسمه مثلما فعل كثيرون عندما كانوا في السلطة.

أخرجته الشرطة بحكم محكمة كلفه محامي شركة ليبية تمتلكه، وهو معروض الآن للإيجار أو البيع، ولولا تدخل بعض الخيرين الذين توسطوا لمنحه مهلة حتى يتدبر أمره لرُميت مقتنياته في الشارع. خرج من دون أثاثه، وأجر سكنا. لم يعد له سكن لا في طرابلس ولا في القاهرة!

أقول لكم إن ما حدث ليوسف وصمة عار سوف لن يغفرها التاريخ لمن بمقدوره أن يفعل شيئا لرجل شريف لم يتشوه، ويكفيه فخرا شهادات من أحياء أقسموا أنه فك حبال المشانق من رقابهم.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : بشير الدبري

    31.05.2016 الساعة 18:17

    كلمه حق في رجل يستحق كل الخير و الاجترام