ركن العامرية.. الشريعة (ديلفيري)

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

حديثي عن بعض الليبيين الذين يعيشون حياة رغد لعشرات مضت من السنين ولمئات أخرى قادمات في تلك البؤر الموبوءة العلمانية (الكافرة)، بتعبير أحد المعتّلين المعتلين لأكبر منصة للعظات في إحدى الدول الغربية العلمانية، حيث يعمل بعضهم و يتقاضى البعض الآخر مرتب العاطل عن العمل من الدولة.

يتعلم أولادهم في المدارس العلمانية في دول المهجر المتقدمة حضارياً وإنسانياً، والتي قد لا يدري عنها الوالدان شيئاً لأسباب مثيرة، كالعجز عن النطق بلسان أهل البلاد، أو ربما الخوف مما قد يعتريهما إذا علما مثلاً عن الطريقة التي تتم بها عرض دروس التربية الجنسية المدرسية لأولادهما!.

تراهم يقيمون الصلوات على العشب الطري لأحد المنتزهات في تلكم البلاد في جو مهيب، كله استعراض يسرّ الناظرين وفيه الكثير لمن تفكّر وتدبّر. أما في مواسم التخفيضات فتراهم في تهافت على الأسواق العلمانية في بحث عما تجود به الصناعات العلمانية وعند المرض، فالمستشفيات العلمانية في الخدمة بكوادرها الطبية من المتفانيات والمتفانين.

لا يفوتني القول أن المدارس التي يتعلم فيها أولادهم تضم الجنسين بالضرورة في معظمها، فهي مدارس حكومية تصرف عليها الدولة من أموال تتعامل (بالربا). هكذا يقولون!، ثم يتم أولادهم تعليمهم في الجامعات المثخنة بعبق العلمانية (الكافرة) بشكل فجّ عميق.

أما ما هم فيه فلا يصف إلا الأزمة الحضارية التي يعيشها الإنسان الليبي

ورغم تمتعهم الكامل بالقانون العلماني في البلاد العلمانية إلا أن الخارقة عند تناول هؤلاء الليبيين للشأن الليبي، ترى التشنج الغريب الممزوج بصراخ هستيري مفهوم جداً. مطلبهم مبرر جداً جداً. هم يطالبون بحكم إسلامي وتطبيق للشريعة في البلاد التي يعيشون فيها. أعني بلادهم ليبيا!. يفعلون ذلك ولا يعلمون عن الشريعة عدا اسمها وإن علموا فلا يتعدى (علم) تطبيق الحدود الذي تجاوزه الزمن، تماماً كما تجاوز فقه العبيد والجواري.

حاولتُ فهم الدوافع لهذه النادرة ولا أخالني نجحت، أهو الشعور بالذنب في أعماق النفس فكانت محاولة التعويض بالمناداة بالشريعة في بلادهم؟، أم تراها قناعة حقيقية بضرورة تطبيق الشريعة في بلادهم رغم أنهم يعيشون الحداثة بكل أشكالها خارجها، هم إذاَ يدفعون بمشاريع الارتداد صوب الموروث. أيكون تأثير ما يسمى بالصحوة الإسلامية وما هي إلا حالات استرجاعية ماضوية بتعبير محمد أبوقاسم حاج حمد. وهكذا هم، لا يعرفون أين يقفون بالضبط، فبدل العمل على رفع بلادنا للحاق بالركب الحضاري العالمي الذي ينعمون به في المهجر، نجدهم يعيشون تناقضاً فكرياً ونفسياً مذهلاً فيجهدون على ارتدادها صوب الماضوية تحت مسوغات دينية.

مهما تكن الأسباب فكلماتي لهم هي إذا كانت الليبيرالية كفرا والعلمانية كذلك وبأنهما دين لا أنظمة حكم سياسية، وإن كان الدين نظاما سياسيا لا خلاصا فرديا للإنسان، والشريعة واضحة وليست بحاجة لاجتهاد كبير من قبل (فقي) لم يُولد بعد في بلادنا، وإن عجزوا عن تحديد ماهية الشريعة بكافة تفاصيلها الدقيقة، ولن يكونوا بقادرين وإن ولج الجمل سم الخياط، فالتهرب من النقاش لهروب الحجة والعجز عن إجابة الأسئلة خصوصاً المتعلقة بطيب عيشهم العلماني ديدن الكثير منهم، والتكفير بدل التفكير سلاحهم، والاتباع بدل الإبداع فكرهم، ومع هذا فإن ظنوا أن ما يطالبون به هو الحل والمراد والمبتغى والمرام فمن باب أولى أن يكون لهم زمام المبادرة فليصطحبوا الزوج والولد لبلد إسلامي يطبق الشريعة يضمهم فيه بكل حرية.

ولينظروا حولهم ليجدوا خيارات يزهو لها البال وينتشي بها الخاطر من الباكستان إلى أفغانستان أو السودان وقد تكون الصومال أفضل الجميع!، ولا يتذاكوا ويقولوا تركيا، فدستورها علماني ذاك الذي يعمل به الحزب الإسلامي الحاكم!.

هذا ما يقوم به من له مبدأ يعيش به و يموت دونه. أما الشريعة (ديلفري) لعتبات ليبيا بينما يرفضون العيش خارج البلدان العلمانية (الكافرة)، أقول.. فليتقوا الله في هذا البلد المنهك فهو يستحق الأفضل وأهله يستحقون العيش كما يعيشون، ويستحق أبناؤه أن ينعموا بطيب المدارس كأبنائهم وأن يتخرج ليتسابق في سوق العمل لتطوير البلد بدل أن يهرع شبابنا الخريج للتناطح من أجل طول اللحية أو صحة عذاب القبر.

أما ما هم فيه فلا يصف إلا الأزمة الحضارية التي يعيشها الإنسان الليبي، وإن عاش في الجو الحضاري إلا أن حنينه المزيف للماضوية جعله يطالب بالبديل الديني لبلاده، ولكن ضمن الحدود الجغرافية التي هو ليس من ضمنها فيكون بمأمن عما يطالب به وبهذا تبقى الشريعة ديلفيري لغيره.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات