إلى الخلف قليلا!

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

"زبدة الخطاب" مقال صديقي عمر الككلي بصحيفة الوسط يوم 19 مايو الماضي أعادني إلى الوراء بمسافة زمنية طولها 44 عاما كنت حينها شابا، حديث التخرج لم أتجاوز 29 عاما متباهيا بوظيفتي الجديدة كمسجل لأول كلية طب في ليبيا.

لم يتسمَّ حينها المأخوذون بفكر القذافي لجانا ثورية وإنما شباب الاتحاد الاشتراكي، الذي كان مقره الكاتدرائية، خلف الفندق الكبير في بنغازي، حيث كان حينها يسكن المرحوم محمد القزيري، الذي كتب رسالة إلى صديقنا خليفة الفاخري في بريطانيا، قال في أحد أسطرها: "في الاتحاد قوة، وفي الاتحاد الاشتراكي فايدة كامل!" فلقد كانت أناشيدها الوطنية في ذلك الوقت تصدح من الكاتدرائية من الصباح حتى المساء.

أصدر شباب الاتحاد الاشتراكي من طلبة الكلية، وكان الدكتور مصطفى الزائدي من أبرزهم، منشورا للطلبة يقضى باستهلال أي طلب بفقرة من خطابات القذافي. وصلني ذات يوم طلب من طالب مشاكس نبيه، أصبح الآن حجة في طب المسالك لمخاطبة الخطوط الليبية لاستصدار تذكرة إلى طرابلس مخفضة بحسب ما تقتضي لوائح ذلك الزمن.

الحقيقة أنا لم أنتبه إلى الفقرة المفروضة من خطاب القذافي، مهرت الطلب بالموافقة، ابتاع الطالب تذكرته، وقبل انتهاء الدوام جاءني أحد شباب الاتحاد الاشتراكي غاضبا، ملوحا بورقة الطلب وقال لي متذمرا غاضبا: "كيف تسمح أستاذ محمد بهذا العبث؟" ودفع إلى بالطلب مشيرا إلى الفقرة المطلوب استهلال الطلب بها.

أنا قد أتفق مع قراءة صديقي عمر وتفسيره لمقولة إلى الخلف قليلا ولكنني أرى أن ما حدث في سبتمبر 69 ثورة

كانت تقول: "إلى الخلف قليلا" وأسفلها معمر القذافي قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة! لم أستوعب لا الفقرة ولا معناها، ولا سبب غضب هذا الاشتراكي الثائر؟ انتبهت إلى أن ثمة خطأ وأن أحد الموظفين رفعها (حامية باردة) إلى مكتب الاتحاد الاشتراكي بالدور العلوي. واستدعينا الطالب عثمان بشير الهوني للتحقيق في جلسة رسمية بمكتبي لتفسير ما كتبه.

قال: " إنا لم أبتدعها، هذه فقرة من خطاب القائد بميدان الشهداء يوم 27. 9. 1969" وسريعا تحقق "الاشتراكيون" مما قاله الطالب، واتضح أنها بالفعل في الخطاب، لأن من فرغ الخطاب وكتبه نقل ما قاله القذافي حرفيا، مبعدا الجماهير المتزاحمة أمام المنصة، وعلى النحو الذي أشار إليه الكاتب الصديق عمر الككلي، أحد الضحايا الذين فقدوا حوالي 10 سنوات من أعمارهم في سجون ذلك العهد.

وأنا أريد أن أعود لنقطة مهمة، على الأقل بالنسبة لي لأنني عاصرت أحداث 1 سبتمبر 1969 وأيضا 17 فبراير 2011 كشاهد عيان. وليس بمقدوري إلاّ أن أسمي ما حدث في التاريخين سوى أنهما "ثورة" وليس انقلابا مثلما يُقال الآن عن سبتمبر، أو نكبة كما يردد البعض عن فبراير.

الحادثتان ثورتان، الدليل هو التفاف الناس- في البداية- حولهما. في سبتمبر خرج الناس جميعا بعفوية يهتفون للحرية والاشتراكية والوحدة وليبيا جمهورية من دون أن يعرفوا أي شيء، لا عن قيادتها ولا عن أهدافها. في سبتمبر كنا مشحونين تماما بالمد القومي الناصري ومازال الناس مجروحين من أحداث 13 و14 يناير 1964ونكسة 6 يونيو 1967م.

أما في 17 فبراير فقد فاض بالناس استبدادا وتهميشا وظلما تراكم حتى صار حجب رؤية مغبة ما ستترتب عليه الثورة. ولكن لا يجوز أن نقول إنهما ليستا ثورتين، ولعل بمقال صديقي عمر ما يؤكد تزاحم الناس أمام منصة الخطاب من دون لجان ثورية أو شعبية تنظمهم وتحثهم على ذلك، تماما مثلما لم يفرض أحد على شباب اندفعوا نحو الرصاص بصدور عارية في فبراير أن يفعلوا ما فعلوه. ما حدث بعد أعوام من سبتمبر، وأخرى من فبراير ذلك شأن آخر لا ينبغي أن يغير أصل الحدث.

أنا قد أتفق مع قراءة صديقي عمر وتفسيره لمقولة: "إلى الخلف قليلا" ولكنني أرى أن ما حدث في سبتمبر 69 ثورة، لأن تعريف الانقلاب لا يتفق أبدا مع ما قام به ملازم أول يعلوه جيش من الرتب العالية، فالتف الناس حوله، إذ خرجوا إلى الشوارع بعد خطابه مباشرة فصار ما قام به ثورة حقيقية، لم ترفض أو تقاوم إلاّ بعد أربع سنوات كاملة، والحال نفسه ينسحب علي فبراير. ولنعد إلى الخلف قليلا وسيتضح لنا ذلك كله.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات