ركن العامرية .. شتان بين الصادقيْن

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

لم يستوعب عقلي الناقص مرتين، بحسب تعبير أحد الصادقين الكثر، مرة لأنه عقل إنساني ومرة لكونه عقلاً أنثوياً، لم يستوعب هذا العقل الناقص مرتين أسباب سيل البهجة العرم الذي عم الأرجاء واكتسح بسذاجة صفحات «فيسبوك» لفوز صادق خان في انتخابات منصب رئيس بلدية مدينة الضباب عاصمة بريطانيا، المنصب الذي اُستحدث العام 2000م، فكان المذكور العميد الثالث للمدينة العريقة!.

 وكأني بالرجل وقد نُصِّب عميداً لحسن إسلامه، وأنا هنا لا أجرؤ على تقييم دينه فهذا من اختصاصات رب العالمين، وإن كان ذلك لا يروق للكثيرين. كما أنه ما أشبه اليوم بالبارحة، والعديد منا لم يخلَق ليتعلم من تجاربه أو تجارب الآخرين ولا تسألوني لم. أعني ذلك اليوم الذي فاز فيه باراك حسين أوباما برئاسة أميركا ولا زلتُ بانتظار ما يجود به علينا نحن العرب المسلمين.

 صادقان اثنان وشتان ما بينهما. هم احتفلوا بصدق مع صادقهم بإنجاز إنساني من إنجازات القرن الواحد والعشرين، فتنصيب صاحب الكفاءة- مسلماً كان أم ملحداً- عميداً لمدينتهم العريقة هو ما يهمهم. في الحقيقة يحتاج التصالح مع الذات لرجالات غلاظ، فأهل لندن أثبتوا ذلك وهم أدرى بشعابها بعد أن فضوا الغرام القديم بين السياسة والدين واليوم ها هي بريطانيا، بلد المؤسسات تحت المظلة العلمانية، وإن كانت ملكتهم على رأس الكنيسة، فوصل صادق خان لهذا المنصب.

فصادقهم لن يحرض المسلم اللندني على قتل المسيحي (الكافر) اللندني، أما صادقونا فالقتل فرض والجهاد في بلاد المسلمين، خاصة في البلاد التي اسمها ليبيا وفي مدينة بنغازي

أما نحن فنعيش بفضل صادقينا حالة عشق أسود ملتهب بين الديني والسياسي أُلبس فيه الدين (كرافت) السياسي وأُلبس السياسي عمامة الدين فأنتجت واقعاً لا سياسة فيه أو دين، بل هو أحلك من قرن الخروب.

 

صادقهم محامٍ متخصص بحقوق الإنسان يدير الآن أكثر مدن العالم قبولاً للآخر على أسس المواطنة والعدل والإنصاف بين الرجال والنساء، أبيضهم وأسودهم، مسلمهم وملحدهم وحل مشاكل السكن والمواصلات العامة في العاصمة اللندنية على رأس قائمة اهتماماته. أما صادقونا فأشاعوا كل ما من شأنه تخدير الروح قبل العقل ليعيش الناس خزعبلات وأساطير لا تقيم كوخاً، فما بالك بدولة أو حتى مدينة!.كل ما يشغل وجدانهم هو كيف يلهون الناس عن آمالهم وآلامهم بقضايا فاصمة للعقل قاصمة للفؤاد تنم عن خلل فكري عظيم كالفصل بين الجنسين في الدراسة الابتدائية وأشياء أخرى على نفس الوتيرة من الأهمية، يكاد عقلي الناقص مرتين يطير كل ما ذكرها.

 

صادق خان لن يأخذ بأيدي اللندنيين للجنة أو يحرم جلودهم على النار، فهو لن يفرض الحجاب مثلاً على اللندنيات المسلمات أو يقفل الملاهي الليلية التي تعج بالعرب المسلمين، في الحقيقة من أولوياته كما صرح، المحافظة على النوادي الليلية بل تيسير فتح المزيد منها بحكم أنها ثقافة أصيلة للشعب اللندني.

اُنتخب صادق لأنه صادق، لأنه إنسان يحمل فكراً تقدمياً حضارياً دنيوياً، أما صالح الآخرة فلا شأن له به إلا على الصعيد الشخصي أما العام فمتروك لضمير أفراد المجتمع.

 

تجاوز عدد سكان مدينة صادقهم التسعة ملايين نسمة، منهم مليون مسلم ولم أسمع أحداً من الناخبين يقول انتخبوا الرجل فإن فلاناً أب له وعلاناً له جد وأربعون جد وجد.. أما صادقونا، وما هم بصادقين، فهذا سليل العلماء وذاك سليل القبيلة، أما الآخر فهو قائد ميليشيا والأخير رئيس عصابة وبعد الأخير فمناضل ولم نكترث بالكفاءة، وحلت الكارثة و لا زلنا لا نكترث ولن نكترث!.

ونحن شعب الله الصادق بالفطرة! هذه من الأشياء التي تجعل عقلي، بصدق، ناقصاً جداً. فصادقهم لن يحرض المسلم اللندني على قتل المسيحي (الكافر) اللندني، أما صادقونا فالقتل فرض والجهاد في بلاد المسلمين، خاصة في البلاد التي اسمها ليبيا وفي مدينة بنغازي على وجه الخصوص هو فرض عين، فالظفر بحور عين لا يتأتى إلا بالدم.. الدم.. الدم الذي أصبح في كل زنقة ودار وصفحة (فيسبوكية)!.

يالفرحتهم بتقلد صادقهم ويالخيبتنا بتنصيب صادقينا. نحن فاشلون في تنصيب أو انتخاب صادق واحد كصادقهم. نحن لنا غَلْيُ رجالنا في القدور وحز رؤوسهم، والمهم استقبال القبلة في كل يوم و ليلة والظهور بلباس الإحرام على الشاشات وحسبك ذلك.

ما وددت قوله هو أن الفكر القويم أوصل صادقهم حيث وصل وبلادهم حيث هي، وفكرنا السقيم أوصل صادقينا لمناصبهم وبلادنا حيث هي!.

ويبقى عقلي الناقص مرتين لا يستوعب أسباب البهجة بعد.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات