ليبيا تستحق صلاة خاشعة

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

كنت قد قررت أن أبتعد عن غمة الكتابات السياسية، التي صار النكد يتبسم لك بشماته من خلال أسطرها ويفرض سطوته عليك، فتجد نفسك منحازا لليبيين ضد ليبيين وفي زنقة واحدة، أو تضطر أن تكذب، أو تلف وتدور، والمؤلم أنك تعلم أنه لا فائدة مما ستكتبه، لأنهم لا يقرأون وإن قرأوا لا يفهمون. تتذكر سعد زغلول، ولكنك لا تجد من يغطيك. كنت قررت أن أعود إلى المواضيع المفضلة عندي: تلك الاجتماعية، والتاريخية، والأدبية.

ولأن من يريد أن يكتب عليه أن يقرأ، فقرأت الأسابيع الماضية كتابين وعددا من المواضيع الصحفية. ولما قرأت عن لويس الرابع ملك فرنسا، الذي اغتيل سنة 1610، يعني قبل الثورة الفرنسية بحوالي ثمانين عاما، تذكرت ليبيا، فنمت من دون أن يغطيني أحد. ثم قرأت رواية المتعاطف (The sympathizer) للكاتب الأمريكي ذي الأصول الفيتنامية( فيت ثنه نجوين) فخطرت علىّ عدة أسماء ليبية، الله وحده يعلم كيف تولت أمرنا، وقرأت مقالة عن مدرسة الحياة التي أسسها (ألن بوتن) سنة 2008، وهي التي جعلها مجموعة مكاتب بامتداد العالم تقام فيها حلقات لنقاش مختلف المواضع والحالات، يديرها نخبة من مثقفين ودكاترة، وإعلاميين، وألحق بها (صيدلية) هي في الواقع مكتبة بمختلف تخصصات الكتب، يكتب المعلمون (روشته) بعنوان كتاب للطالب بحسب حالته ليعينه على مرض الجهل، فكانت، وما زالت تجربة ناجحة، بل وانتشرت في العالم كله، فخطر على بالي المرحوم فرج محمد الشويهدي ابن بنغازي الذي افنى عمره يكتب، ويتحدث يوميا من الإذاعة عن التعليم والمدارس، وتأسفت على أنني لم أسمع عنه شيئا ولو إشارة بسيطة تذكرنا بالخيريين من بلادنا. وانتقيت رسالة كازانتزاكس إلى جده.

وتذكرت أن الكنسية رفضت أن تصلي عليه ورفضت دفنه، فدفن خارج مدينة كريت وكُتب على شاهد قبره مثلما أوصى: "لا أريد شيئا، لا أخشى شيئا.. أنا حر" فتذكرت الذين دفنوا، بعيدا عن مدنهم. صحيح أن الناس جميعا يحملون أوطانهم في قلوبهم، ولكن هل مستر جونس، كان مثلي عندما يقرأ موضوعا عن القرع العسلي، مثلا، تخطر عليه لندن، أو صديقي جواني المالطي، المعجب بشخصية عمر المختار تخطر عليه مالطا (الحنينة) وهو في حديقة التيفولي بكوبنهاجن. أنا أعرف (ايليو زرافتس)- يوناني- مولود في بنغازي، ولعب مع فريقي التقدم والهلال وطرده القذافي سنة 1970 وكنت التقية بين حين وآخر في أثينا، وكان عندما ينتشي يذرع حانات (بلاكا) ويغني بالعلم: "غريب في بلاد (رقريق) قليل وين يزها خاطرا".

دعوني، أولا، أفسر لكم علاقتي بما قرأت عن لويس الرابع، الذي توج ملك فرنسا، أيام كان (شايب العين) يملك ليبيا وما عليها من ضأن وعجول، ويدعو للباب العالي بطول العمر. الملك لويس بروتستانتي المذهب وكانت الأغلبية الفرنسية كاثوليكية، ترى أن البروتستانت مجرد هراطقة وكفار وينبغي ذبحهم، ويرى البروتستانت أن الكاثوليك البابويين وثنيون وأن البابا مجرد شيطان منحرف. لكن لويس هو الذي تمكن من إنهاء حالة الاقتتال والصراع الذي استمر بين المذهبين لأكثر من 200 سنة، لقد استهل حكمه بعبارته الشهيرة التي أطلقها عند دخوله إلى باريس وصارت مثلا حتى الآن: "باريس تستحق قداسا كاثوليكيا" كانت عبارته تعلن تغيير مذهبه.

والغريب أن الكاثوليك اعتبروه منافقا، والبروتستانت مرتدا فاغتالوه، وهو لم يتجاوز 57 عاما، ولكنه تمكن خلال حكمه من إطفاء نار التعصب المذهبي الديني. قلت في نفسي ألاّ تستحق منا ليبيا صلاة إسلامية نبتهل بها أن يتوحد الفرقاء؟ أما رواية المتعاطف فتتحدث عن جاسوس كان عميلا مزدوجا يعمل مع الأمريكيين، والشيوعيين الذين هزموهم فتركوا سايجون وأخذوه معهم إلى أمريكا- قد نستبدلها باي مكان آخر!- وعندما نام أول ليلة في موطنه الجديد قال في نفسه: "أنا جاسوس، أنا في غيبوبة، أنا شبح، أنا إنسان بوجهين" فخطر عليَّ كل الذين باعوا ليبيا وتساءلت هل ينامون هكذا ببساطة مثل من تركوا وراءهم؟ أما كزانتزاكس، الذي كتب عن بلده مالم يكتب مثله أحد، وعن قناعاته الإنسانية التي جعلته في مصاف المبدعين العالميين، فهو لا يحتاج، ولا يريد شيئا، إنه إنسان حر لم تكبله أطماع الدنيا فعاش بقلب صاف نقي، أما شعيب المسكين، ما زال يخرّف، ولكنهم يغطونه وينام مثل ميت.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات