محمد رضا ريشة في وجه الريح

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

أن تكون أنت... يا لها من مهمة شاقة!
( بول فاليري)
أول منازل دهشته حين شاهد وجهه في المرآة أن وجده واضحا كالشمس وأنه قلبه لذا أودع وجهه المرآة، محمد رضا يشف نفسه ويطرحها في ابتسامة مرسومة بعناية وخلسة وفي عينيه حزن مشع، لم يلتقِ زمانه ولا ارتضى مكانا وإن اختاره، في صلب الموضوع عاش على هامشه أراد كفنان تشكيلي درس وعشق وانغمس في فنه أن يكون هو فاتخذ من الصحافة مرسمه ففقد ما أراد، تبتل في محراب الصحافة ولم ينتبه أنها تسله رويدا رويدا أن يرسم لوحته، كان يغويه أن يرسم لوحة القاريء، وأن تستسلم الذات لإرادة الموضوع، عاند وكابد الزمان ولم يُفلح في استمالة المكان، لم يستسلم البتة وإن استدرجته السنون وتعاقبت عليه خلسة اختلس منها لوحته، كأن يرسم الزوجة ويجعل البورتريه سنارته يصطاد به نفسه من خضم يمَ الصحافة المتلاطمة الأمواج المستنزفة اليوم والجهد والذهن، ولم تتمكن إطلاقا من قلب محمد رضا الفنان من محياه يُنمي عنه من عاش شقاء أن يكون، فكان محمد رضا المُكتفي بما هو.

عاش بروية وعلى مهل ودون رغبة في أن يستنزف روحه في تعقب النجاح فنجح في أن يكون حين كانت المسألة أن نكون أو لا نكون، ولد في المنصورة وتعلم في القاهرة وعمل في طرابلس من "المدن الثلاث" اكتسب هوية الانتماء للحياة دون إطار، لم يؤطر نفسه هذا اليساري حيث اليسار أن تكون حرا، الطير لم يرسم لأفقه حدودا، وإن كان وكره أسرته الصغيرة والشجرة مرسمه الخاص فإن لوحته التي يرسم ولن ينتهي منها الوطن الذي ينشد.
لم يقلق على شيء حتى الوقت الذي أضاعه في انتظار أن يرسم لوحته لقد جعل حالة الانتظار كما هدف، لم يعرف ولم يُرِدْ أن يستثمر الوقت حسبه أنه أراد أن يحيا كما أراد من هذا لم يوجع بفقد كما فقد الزوجة رفيقة الدرب وضوءه.

رسم الكاريكاتير لأنه يمنحهُ منحة أن يسخر مما لا يُحب هو من لم يكره، كالسهل الممتنع جعل من نفسه ومن الرسم ومن الحياة ومن الأصدقاء، وكذلك ساهم في إنشاء وسائله وسلاحه في الذود عن الحياة من مجلات وصحف كمجلة "المنصورة" في الستينات و"سنابل" في مصر السبعينات ثم "الأسبوع الثقافي" و"لا" في ليبيا.

لم يتخذ من شغله صنما ولا من مُنجزه معبدا حسبه أن أحب ما فعل، ولم يتُق أن يكون الفريد بل أن يكون الزهرة في البستان، أقحوان الحقل وحتى رغيفا جوعانَ، الألوان الطيعة بين يديه تجعل من البورتريه ما يحب أن يرسم إعادة خلق لمن يحب في الصورة التي يحب، وأما الخطوط فهي تنساب كخيط التريكو وتنسج ما يتشكل في لوحته، لقد ركن جانبا من أضواء الشارع الصفراء الفاقعة، وفي ظل نشأ على مهل يُنشيء لوحته ويُبعثرها على ورق الصحف كما ناس من ورق، وفي هذا هو من تاريخ البلاد التي عاش فيها كمعلم منح الدروس على كل مطلع لصحفها وكل مؤرخ.

محمد رضا لم يجتذبه ضوء وإن كان الفراشة فإن ما جذبه حد التصوف الفن التشكيلي، وأن يكون رسام الظلال التي تهف على الكائن البشري وتحميه من لفح الشمس الحارق، وفي بلاده الثانية ليبيا كان المانح من علم الكثير من تلاميذه فن أن تكون العصافير الطليقة، فن أن يكون المرء هو، لذا لم ينتظر أن يذكره أحد حسبه أنه علم العصافير الطيران.

لم ينحت الكثير من المنحوتات لكن ما نحته في النفوس الكثير، فجيلا بعد جيل سيبقي كما أساس البناء ما نحتهُ في الصحافة الليبية، وإن نسته "المنصورة" فليس لـ"طرابلس" المقدرة على ذلك لأنه أُس في تاريخ صحافتها، وإن كان ذلك في سنواتها العجاف فقد شكلت ريشته ظله في قلب البلاد التي منحها وعاش فيها زهرة العمر، وإن نسي الناس من من طبعهم النسيان فإن الورق لا ينسى، الدارس من يستنطق الورق سيفصح له عما نحت محمد رضا، الباحث سيعرف من هو محمد رضا المنسي في الطين كما كل تمثال ينطق على يد النحات.

هذا المنصوري لم يكن الفلاح على شطآن النيل لكن هذا الطرابلسي فلح في أن يكون الرسام العاشق، وكرومانتيكي أصيل منح العمر لما أحب، واكتفى بأن يجني ما زرع.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات