ركن العامرية .. الشرف .. خارقة مفهوم

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

تلفت قلبي صوب صديقتي الأوربية وهي تحدثني عن ابنتها ذات الثمانية عشر قمراً. فبينما في طريقها للبيت في مغرب يوم صيفي بعد أن أنهت دراسة مادة الميكانيكا استعداداً لامتحانات الثانوية العامة، إذ تم الاعتداء الجائع عليها من وحش مخبول وبعد انتهاء تحقيقات الشرطة ومعاينة الطبيب رجعت الفتاة للمنزل برفقة أهلها وكان ذلك في فجر اليوم التالي.

ماذا تتوقعون أنه كان!؟

أصرّت الفتاة على إتمام إمتحان الميكانيكا في ذاك الصباح وباقي الامتحانات وتحصلت على ( A) في جميع المواد بما فيها الميكانيكا..! في الأثناء قُبض على الغول و أُودع السجن وأكملت الفتاة الجامعة وانطلقت في الحياة بإيجابية.

وأتساءل كيف للفتاة أن تتجاوز بشاعة الحادثة بتلك القوة..!؟ أهي شخصيتها أم التربية الأسرية أم المدرسية أم قوانين المجتمع والبلاد المتقدمة المشاعر والأحاسيس الإنسانية.

الخارقة اعتقادنا بامتلاك قيم أخلاقية عالية رغم صفاقة واقعنا. فمثلاً ما الذي جعل تلك الفتاة الليبية تؤثر الموت على التصدي لحادثة أليمة بنفس طريقة ابنة صديقتي إلا مفاهيم مغلوطة سُمّم بها عقلها البض. هي تعلم أنها إن لم تقتل نفسها فلربما سيقوم بذلك مخبول آخر، كأحد أقاربها بحجة تخليصها ونفسه من العار والشنار ليكافئه القانون بالسجن لمدة ستة أشهر فقط.!

وحتى إن كانت من أسرة واعية، هي تعلم أنها تعيش في وسطٍ متخلف المشاعر. هي على يقين بضعف فرصتها بالزواج و إن تزوجت فاحتمال إذلال الزوج لها وارد جداً. أما إن كانت متزوجة فهي أمام احتمالين لا ثالث لهما، إما الطلاق الزؤام أو الحياة الزؤام. أكاد أراها وهي تلهث محاولة الهرب ورأسها الناقص العقل، كما يُقال، يدور فيه ألف حديث فقررت الموت بشجاعة يندى لها جبين كاملي العقل.

مجتمع الرجل فيه مهزوم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً مكبوت غرائزياً يعاني الموروث والعقد النفسية ليس له من شاغل لإفراغ ما يعتريه من همّْ إلا الانشغال بأمور الشرف مجسداً إياه في جسد المرأة المقهورة

قرارها لم يكن طمعاً في حور عين بل خوفاً من خيانة المجتمع لها خيانة عظمى لا فكاك منها أو افتكاك وبدل أن يموت المجتمع البائد بمفاهيمه ماتت هي. ويوم الحساب سأراها منتصبة أمام العدل الأحد مطالبة بحقها منا جميعاً فلنستعد بأعذارنا المخجلة كأن نقول مثلاً، هي كانت امرأة.

وبينما عاشت ابنة صديقتي اللحظات الحرجة متأثرة بقيم غُرست فيها في الماضي مستشفة في ذات الوقت مستقبلا يحدوه الأمل بما استشعرت من ثقة للدعم المبثوث لها، الشيء الذي انعكس إيجاباً على حاضرها فتجاوزت بشاعته، نجد تلك الفتاة الليبية تعيش مأزومة زمن الدقائق المريرة بأبعاده الثلاثة، فنظرت للماضي وما حمل من قيم مشوهة واستبصرت المستقبل فاستشرفت الآلام فحكمت على حاضرها بالفناء وإنهاء المعاناة.

كيف إذاً السبيل للتغيير ومجتمعنا يحارب العلاقة البريئة بين الجنسين متكئاً في ذلك على حجج أوهن من بيت العنكبوت.! مجتمع كلما اعترته نكبة ينكب على مواقد الآباء، رغم وصم القرآن الكريم لهم مراراً، فيستقي منها كل سَقِيم لإدانة المرأة.

مجتمع الرجل فيه مهزوم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، مكبوت غرائزياً، يعاني الموروث والعقد النفسية، ليس له من شاغل لإفراغ ما يعتريه من همّْ إلا الانشغال بأمور الشرف مجسداً إياه في جسد المرأة المقهورة مرتين، مرة لمسايرتها المجتمع رغماً عنها وأخرى لتسيير المجتمع لها رغماً عنها.

تصفحتُ بعض صفحات التواصل الاجتماعي البائسة لضحالة ما تعرضه من فكر حد التجرؤ على اختصاصات رب العالمين. في إحداها، دار نقاش غليظ على عدم جواز الترحم على الفتاة لانتحارها..! نعم فلينزل فكك إلى القاع أيها القاريء فقد تركنا أصل البلية ومنبع الفرية وانشغلنا بالسطحية، ولتبتلع لسانك عندما تسمع عن تساؤل أحدهم عن لباس المسكينة ليرمي وزر انفلات غريزته على المرأة. فإلى متى هذه البلادات؟.

لا تعاني بلاء هذه البلادات إلا المرأة، فمثلاً قد يتعرض الرجل للسجن و فيه يُسّوم أبشع أنواع التعذيب بما فيه الاعتداء الجائع المتكرر مما قد يخلف فيه قدراً كبيراً من التشوه النفسي والجسدي ومع هذا تنتظر المرأة إطلاق سراحه لعشرات السنين ويُستقبل استقبال الأبطال وعند اكتشاف ما يعانيه فإنها تؤثر معاناة القهر في صمت.

نحن بحاجة ماسة إلى إعادة صياغة لمفاهيم الشرف والقيم والأخلاق وإعطائها تعريفات إنسانية تليق بالإنسان وتنطبق على جنسيه فمعايير المرأة الشريفة هي نفسها للرجل الشريف. والإنسان الحق بما في قلبه من حب وروحه من جمال ونقاء وعقله من فكر.

ولن يلتفتَ قلبي لمجتمع يهين الضحايا المغتصبات ويمجد المغتصبين والغاصبين لأنه مجتمع قد تعرّى إنسانه من إنسانيته فاتخذ من ازدواجية المعايير منبعاً لكل قبيح.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات