زبدة الخطاب

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

أحيانا تحدث بعض الوقائع في مجرى الحياة والتاريخ تبدو عابرة وعفوية وغير ذات دلالة، إلا أن المرء ينتبه إليها لسبب ما ويحصرها بين قوسين. وبعد شوط زمني، قد يأخذ عقودا، وفي سياق تعقيدات تاريخية، تبرز هذه الوقائع إلى بؤرة التفكير ويكتشف المرء ما كانت تنطوي عليه من أبعاد ودلالات عميقة، بل ونُذُرٍ أحيانا.

قد تكون هذه الواقعة اكتسبت هذه الدلالات بالصدفة في مجرى العملية التاريخية، وقد يكون الذهن أعاد التفكير فيها في ظل مجمل المستجدات فيقرأها من زاوية الناقد الأدبي، خصوصا إذا كانت الواقعة المعنية واقعة كلامية، ويمنحها تأويلا يكسبها دلالة عميقة ربما لم تكن مضمنة فيها منذ البداية، إذا ما اعتبرنا في ذلك قصد القائل أو الفاعل.

بالنسبة إلى تجربتي الشخصية، ثمة واقعة كلامية حدثت بعيد الانقلاب الذي قاده معمر القذافي في 1. 9. 1969 في ليبيا في أول خطاب عام له بميدان الشهداء بطرابلس في 27. 9. 1969 . لم تكن هذه الواقعة الكلامية من نسيج الخطاب ذاته، بل كانت قطعا لسياقه لأنه يبدو (كنت أستمع إلى الخطاب من خلال المذياع) أن الجماهير المحتشدة لرؤية القذافي والاستماع إليه تزدحم وتتدافع مقتربة اقترابا شديدا من المنصة التي يعتليها خطيبا. فكان يقطع سياق خطابه بين الفينة والأخرى طالبا من الجماهير الابتعاد عن المنصة قائلا:

الخلف قليلا!
أي: إلى الخلف قليلا. لست أدري لماذا لفتت تلك الجملة التي ليست من الخطاب اهتمامي حينها ولماذا رسخت في ذاكرتي.

لكن بعد عدة سنوات كنت أقول لأصدقائي متندرا: لقد كان معمر القذافي يردد في أول خطاب له: الخلف قليلا. وها أننا نتراجع فعلا، كشعب وبلد، إلى الخلف. بالطبع لم أكن أقول لهم ذلك بهذه الصيغة، ولكن بهذا المحمول.

قلت أن الجملة المشار إليها لم تكن من نسيج الخطاب، لكن تبين لاحقا، أنها تمثل زبدة الخطاب ولبه وجوهر مشروع معمر القذافي. إذ بدأ، منذ ذلك الوقت، تأخر ليبيا والشعب الليبي قليلا قليلا، ورويدا رويدا كان هذا التأخر يتسارع إلى أن تمت، في النهاية، استدارة كاملة إلى الوراء. كأنه كان يصدر إيعازا عسكريا: إلى الخلف استدر! وبذالك تم تغيير الاتجاه إلى الوراء بدلا من مجرد الانزياح إلى الخلف قليلا.

والآن نحن نركض إلى الوراء حثيثا، والتوقف ثم الاستدارة والعودة، من ثَمَّ، إلى مواصلة السير أماما أمر يحتاج حدوثه إلى ما يشبه المعجزة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات