الجميلة والوحش

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

ثمة تنافس قوي في أم الدنيا بالرضاعة، أميركا، على الوصول إلى البيت الأبيض، بين ترامب وهيلاري، يذكرني بالمسلسل الأمريكي الشهير: الجميلة والوحش. الذي تدور أحداثه حول المحققة كاترين التي تكتشف عبر الوحش الذي أنقذها من الموت أن حياتها السابقة كانت مليئة بالأكاذيب فتسعى لكشف الحقيقة خلف الأسرار التي تخفيها عائلتها.

يسعى ترامب؛ المرشح المثالي لأمريكا (ما بعد ويكيليكس) حثيثا صوب البيت الأبيض، إذا لم يرق للمزاج الأمريكي الذي عنَّ له انتخاب أول رئيس أسود، أن يخوض تجربة جديدة بوصول أول أنثى للبيت الأبيض، ليس كسيدة أولى عالقة بذراع الرئيس الذكر، ولكن كرئيسة يعود معها الرئيس السابق كلينتون كسيد أول في أمريكا.

أنا شخصيا متحمس لترامب، ولو كان لي حق التصويت في الولايات المتحدة لصوّتُّ معه فورا، ويرجع هذا التحمس لمرشح يميني متطرف، عنصري حتى النخاع، لعدة أسباب، أهمها: كون هذا الرئيس يجسد الفرصة التاريخية لكي يتوافق المكبوت الأميركي مع المعلن، ويتناغم الكلام الدبلوماسي مع الفعل الاستخباراتي، وتنسجم النوايا مع الأفعال، ويستقيم المضمون مع العنوان.

أهم ما في ترامب هو صدقه في تقديم برنامجه للداخل والخارج كما هو، لأن برنامجه هو الاستراتيجية الأميركية منذ أن نشأت، وما قام به ترامب هو تحويل هذه الاستراتيجية إلى دعاية انتخابية فجة لا تسعى لغش الرأي العام الأمريكي أو العالمي. إنه يقول أنا أطرح لكم، دون لف أو دوران، سياسة وضمير هذه الأمة الأصيل، ولست في حاجة لأن أزيف هويتي أو برنامجي الدعائي كي أفوز. وربما هذا هو الجانب الذي سيستهوي الناخبين، إنه أول رئيس صادق لأمريكا لا يسعى للدخول إلى البيت الأبيض في سحنة ملاك.

سأصوت لترامب من أجل أن يعرف العالم أن العنصرية والظاهرة الداعشية ليست بالضرورة مرتبطة بالتخلف أو التهميش أو العيش في الأحياء الشعبية والعشوائيات

العالم الواثق من حكمة الكبار يحتاج إلى حماقة كبيرة كي يكف عن مهنة الكذب التي يسميها دبلوماسية وينشيء لها الجامعات المختصة، يحتاج العالم إلى حماقة بحجم ترامب تاور تفضح رصانته الزائفة، وترامب يمثل هذه الحماقة المعلنة والتي تحشد حوله الأنصار، إنه يشبه أغنية راب بذيئة تجتاح مسرحا مجهزا لأغنية كونتري ميوزيك حالمة اسمها هيلاري.

ليس ترامب مثل ريغان الذي جاء من وسط نجوم هوليوود كحمامة سلام ليصرف مئات المليارات على مشروعه المسمى؛ حرب النجوم، التي لا تُبقي ولا تذر، ولا مثل بوش الإبن الذي جاء رافعا شعار نشر الديمقراطية في العالم تحت لافتته الشهيرة: من ليس معنا فهو ضدنا. مسميا حربه على الإرهاب بالحملة الصليبية الجديدة.

ترامب يقول دون مواربة: ها أنا تاجر العقارات الملياردير، لاعب الجولف المتحمس، ذا التسريحة المكارثية، عاشق النساء وصاحب الكازينوهات، سأجعل أمريكا قوية من جديد، وسأبني سورا بين أمريكا والمكسيك، وسأمنع المسلمين من دخول جنة الولايات المتحدة، وسأطرد 11 مليون لاجئ، وسأعيد التعذيب في السجون.

فهو واضح بقدر وضوح خطابه في برنامجه التلفزيوني الشهير The Apprentice (المبتديء)، وهو صادق في مشروعه مثل هتلر ومثل أسامة بن لادن، سيتدخل في أية دولة دون البحث عن ذريعة أخلاقية، أو مبرر يسوقه للرأي العام، مثلما بررت عائلة بوش تدميرها للعراق بكذبة حيازتها لأسلحة دمار شامل، وترامب لن يحتاج لأن يكذب لأن مبرره واقع وليس غاية، والواقع هو أمريكا أقوى دولة في العالم، ولا تحتاج إلى ترخيص من أجل أن تتنزه في حدائقها الخلفية والأمامية، وإذا ما انتخبه الأميركيون الطيبون فمن أجل هذه الغاية، خصوصا بعد الحرج الذي عاشوه إثر تراجع النفوذ الأميركي واختفائه خلف الدب الروسي، إبان فترة الخطيب المفوه، الأفريقي، المتأثر بلوثر كينج ومانديلا، أوباما.

فالمزاج الأميركي العام المحقون بخيال هوليود، وبأساطير جيمس بوند، وروكي، ورامبو، وسوبرمان، لن يرضى خياله النرجسي، ولا كبرياؤه، إعطاء البنتاجون الأمريكي بظهره الفولاذي لما يحدث في العالم، ولا يجذبه شباك تذاكر فلم أوباما الرومانسي الذي ينأى بالجنود الأمريكان عن مستنقعات الشرق الأوسط المحكومة بعشرات النسخ من ترامب وإن اختلفت التسريحة والتصريحات.

سأصوت لترامب من أجل أن يعرف العالم أن العنصرية والظاهرة الداعشية ليست بالضرورة مرتبطة بالتخلف أو التهميش أو العيش في الأحياء الشعبية والعشوائيات، فهي مثلما انبثقت في القرن العشرين من قلب العلمانية وزخم الفلسفة والموسيقى والشعر في أوروبا، فإنها كامنة في أكثر المجتمعات تحضرا على مدى التاريخ، وما ترامب الذي ولد بملعقة من اليورانيوم في فمه إلا إحدى خلاياها النائمة، مثلما كان هتلر خلية نائمة وهو يبعث برسوماته إلى أكاديمية فيينا للفنون الجميلة من أجل قبوله فيها، ليتخصص فيما بعد في فن الحرب، وفي فن إبادة كل من لا تجري الدماء الآرية في عروقه.

سأصوت له من أجل أن يفقد ويكيليكس مهنته المعتمدة على كشف الوثائق والأسرار وفضح النفاق الأميركي، فهذا الرجل المزموم الشفاه لا ينافق، ويعلن جهرا كل ما كشفته هذه الوثائق ويسحب البساط من تحت أي شخص يحاول يوماً أن يتاجر في أسرار الولايات المتحدة. لا أسرار لدى ترامب، فهو سيعمل كأنه رئيس لوكالة الاستخبارات الأمريكية التي تصرف المليارات سنويا للحفاظ على سرية عملها القصوى، وهل تحتاج أمريكا القويةـ كما يطمح ترامب ـ لأن تعمل في السر؟ وهل يحتاج المسدس الأمريكي لكاتم للصوت؟.

لابد لهذا اليمين أن يصل مداه مثلما وصله مع النازية لكي ينحسر، هذا اليمين الممتد من البغدادي إلى ترامب مرورا بالسيدة الرقيقة مارين لوبان التي تسعى إلى أوروبا مسيحية على غرار إسرائيل يهودية.

كما آن للشيطان أن يكف عن كونه وسواسا خناسا ويعلن عن نفسه ومشروعه بصراحة مستعيذا بالقوة من كل شيطان ضعيف. وبالطبع، إذا ما فازت الجميلة على الوحش في نوفمبرـ وهذا واردـ لن يختل شيء مما سبق ذكره، فقط سيتحول مشروع ترامب من الضوء إلى عتمة العمل السري من جديد حتى ترامب آخر.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات