نهاية عصر النفط

عمر الكدي |
عمر الكدي

اتخذت السعودية مجموعة من الإجراءات الاقتصادية عرفت برؤية السعودية 2030، في مقدمتها خصخصة شركة أرامكو بنسبة 5 بالمائة، وهي أكبر شركة منتجة ومكررة للنفط في العالم، ومع حلول عام 2030 تكون السعودية قد اعتمدت اقتصاديا على مصادر دخل متنوعة بعيدا عن النفط، وتبدو بصمات الجيل الثالث من العائلة المالكة واضحة على الخطة الاقتصادية، وخاصة ولي العهد محمد بن نايف وولي ولي العهد محمد بن سلمان، ومن بين خطط المملكة الاعتماد على تصدير النفط المكرر وليس النفط الخام، وخصخصة كل مؤسسات الدولة في جميع القطاعات، والسماح للأجانب بالاستثمار في المملكة، أي أن السعودية بكل مواردها الضخمة تقتفي خطى دبي التي نجحت بدون نفط.

الخطة الطموحة ليست فقط استجابة لانخفاض أسعار النفط التي جعلت السعودية تستدين، لمواجة عجز كبير في موازنة هذا العام، وإنما هي نظرة استراتيجية لما بعد نهاية عصر النفط، خاصة وأن الاعتماد على الطاقة النظيفة وخاصة الطاقة الشمسية أصبح متاحا تكنولوجيا، كما تطورت تكنولوجيا الطاقة البديلة مثل طاقة الرياح وطاقة المصادر المائية، ولكن هذا التغيير سيواكبه بالضرورة تغيير اجتماعي وسياسي، في بلد تمنع فيه المرأة من قيادة السيارات، ويسيطر فيه المذهب الوهابي على الشارع من خلال الشرطة الدينية، ولا ننسى أن الملك سلمان زار الأزهر عند زيارته الأخيرة إلى مصر، كما قابل البابا تواضروس الثاني بابا الكنيسة الأرثودكسية للمرة الأولى في تاريخ المملكة، وهو ما يعني أن الدولة التي نشأت بتحالف المذهب الوهابي مع العائلة السعودية تسعى لتغيير هذا التحالف، الذي أنجب كل التيارات الدينية المتطرفة.

منذ مطلع السبعينات تعاظم دور السعودية ودول الخليج بشكل عام في المنطقة على حساب دول المركز، وتأثرت دولة مثل مصر بالتأويل الديني لشيوخ السعودية، كما تأثرت الفنون والآداب بما يرغب في رؤيته السائح الخليجي الذي يدفع بالعملة الصعبة، مقارنة بابن البلد الذي لا يستطيع المنافسة، وهكذا تراجعت المراكز الحضرية التي انتجت الليبرالية أمام المد الصحراوي، أما الدول النفطية غير الخليجية فقد حكمتها أنظمة تدعي الثورية وانتهت إلى أنظمة وراثية، مثلما كان سيحدث في العراق وليبيا، ولم يستفد هذان البلدان من عوائد النفط التي التهمتها الحروب، والمشاريع الاقتصادية غير المجدية، والفساد الذي لم يؤثر فقط في الأجيال الحالية وإنما طال الأجيال القادمة.

ستجد حكومة الوفاق في حالة منح الثقة لها نفسها في أزمة مالية خانقة، فالنفط هو المصدر الوحيد للدخل في ليبيا، لكن إنتاجه انخفض من 1.6 مليون برميل يوميا، إلى أقل من 340 ألف برميل يوميا، وحتى لو ارتفع الإنتاج فإن عوائده في ظل انخفاض الأسعار التي وصلت إلى 30 دولارا للبرميل غير مجد، إذا أخذنا بعين الاعتبار تكلفة إنتاجه التي تصل في ليبيا إلى 23.8 للبرميل وهي أعلى تكلفة في الدول العربية المنتجة للنفط، أي أن العائد الصافي سيكون أقل من سبعة دولارات للبرميل بالإضافة إلى تكاليف الشحن.

نهاية عصر النفط يجبر ليبيا وغيرها على البحث عن مصادر دخل متنوعة، واستغلال الموقع المميز للبلاد في تجارة الترانزيت، والاستثمار في مصادر بديلة للطاقة وفي مقدمتها الطاقة الشمسية، واستغلال الثروات البحرية بالإضافة إلى استخراج المعادن والسياحة، كما يمكن لليبيا أن تنافس دبي في جذب الاستثمارات الخارجية، وتحويل الأراضي الليبية إلى أغلى عقارات العالم سواء المطلة على البحر المتوسط أو حتى في الصحراء، ولكن كل ذلك يحتاج أولا إلى الاستقرار والأمن، ويحتاج إلى تفكير يختلف جذريا عن التفكير في ظل تدفق النفط، فالقذافي بدون نفط لا يستطيع أن يكون طاغية، فعندما يكون الحاكم مسيطرا على النفط، فإنه يكتفي بشريحة صغيرة من المجتمع تستخرج وتصدر النفط، بينما يتحول الباقي إلى مجرد عبيد ينتظرون الراتب في آخر الشهر. لماذا اختلفت تونس عن ليبيا؟ لأن تونس اعتمدت على زيت الزيتون الذي يحتاج لجمعه وعصره وتسويقه إلى عدد كبير من الناس، بينما اعتمدت ليبيا على الزيت الأسود، وهكذا اختلفت علاقات الإنتاج بين البلدين، فتطورت تونس في ظل مؤسسات راسخة مثل الاتحاد التونسي للشغل، بينما تطورت ليبيا في ظل غياب أي نوع من المؤسسات، وهو ما يفسر الأزمة التي لم تخرج منها حتى الآن.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات