ركن العامرية.. ديمقراطية حجا

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

قد كفرتُ بها، فلا تحدثوني عنها بعد اليوم. أتستغربون وتتساءلون عن الأسباب، إذاً هاكم الأسباب.

ولكن قبل الشروع بسردي الممل، أجب يا صديقي عن سؤالي، ما هي الديمقراطية؟!

لا.. لا ترهق نفسك فتحاول إعطائي تعريفات محكمة تجهد بها خلايا مخي الثمينة. يكفيني تصرفاتك.. هل أراها؟! هل تراها أنت؟! هل تشعر بها حقاً بداخلك؟! أنت مع نفسك.. هل أنت ديمقراطي؟! كيف؟!

استمع لنفسك، أنصت لها بحرص واعمل على تنقيتها وتصفيتها من الأدران والخبائث. قد تتساءل: وما علاقة ذلك بالديمقراطية؟!
أزعم أن الديمقراطية إحساس نفسي أولاً واجتماعي ثانياً قبل أن تكون ممارسة سياسية، لذا إن فعلت وتفاعلت مع ذاتك كما ينبغي، حينها ستحدِث تغييراً جوهرياً ضرورياً داخلها تمهيداً لزرع ديمقراطية بلا حماقة.

يا صديقي، يجانبك الصواب إن اعتقدت أن تفكيرك الحالي ديمقراطي. فمثلاً، هل تنصت لزوجك بلا مراء وتجبر النفس، التي من المفترض أنها طوع إبهامك، أن تفكر فيما تسمع وتغير الرأي باكتشافك الخطأ؟! هل تستمع لمَن أنت رئيسهم وتأخذ بكلامهم أم هي حكمتك أنتَ فقط؟! هل تزايد بقبيلتك أو مدينتك على حساب الوطن؟! أجابتني جدتي عن هذه الأسئلة ومثلها منذ ألف عام ونيف.

وأعود من حيث البداية، لا تحدثوني عن الديمقراطية، والأب ينهر ابنه ويتوعده لعدم تنفيذ أمره بدراسة الطب بدل الموسيقى التي يعشقها الابن المغبون. ولا تحدثوني عن الديمقراطية والأم تنهر ابنتها المغبونة وتقتلها لأنها أحبت صديقاً لها وترغب في الارتباط به.

ولا تحدثوني عن هذه الكلمة لأنها لا تروق لي بعد اليوم رغم حبي لجحا وفكاهاته. هي كلمة تصلح لتخدير العقل تمهيداً لإجراء عمليات سياسية ليستفيق بعدها وهو في حالة غيبوبة.
أي ديمقراطية تلك وبرلمان منتخب مضروب بعكاز ديمقراطية جحا؟!

أي ديمقراطية تلك والأمر لمَن عانق السلاح والعكاز، لا لمَن اعتنق فكرة الوطن؟!
أي ديمقراطية والغالبية تعيش حالة جماعية من السقوط العقلي والنفسي والفكري نتيجة الاتكاء على عكاز قد وهن؟!
ما نراه حماقة وليس ديمقراطية. تفاهة لا ديمقراطية. لا يمكنك المطالبة بالديمقراطية وأنت تعيش حالة ديكتاتورية ذاتية شديدة الوطأة منذ وُلدت من ألف عام ونيف.

ويا صديقتي، لا تستطيعين حتى الحلم بالديمقراطية بمجرد غطس بنانكِ الجميل في الحبر وأخذ (سيلفي) معه، فقد ابتلعتِ لسانكِ قبل أن تفكري بقول لا لمَن يتدخل في أدق تفاصيل حياتك. بل أنتِ لا تملكين حتى جسدكِ فلا تبتسمي أرجوك!.

تعتقدين بأنكِ تمارسين الديمقراطية لأنك اُنتخبتِ في المؤتمرات والبرلمانات! وما كان من ديمقراطية الحماقة هذه أكثر من كرسي صامت تجلسين عليه بين الرجال بصمت صاخب ووجوم مخيف، بينما أحدهم يقرأ بيان تنديد ووعيد أمام عدسة ما.

ما الذي حصلتِ عليه أكثر من صورة عُلّقت هنا وهناك يظهر وجهك أو يظهر محله إشعاع نور مظلم مع مدّعي الديمقراطية بعد شذبهم اللحى المستطيلة ولبس المخيط الأوروبي المرقع بالكذب والركوب في راحلة ديمقراطية الحماقة.

أنتِ كومبارس في ديمقراطية التفاهة وما يدور في ممراتها أكثر تفاهة مما نعتقد، تلك التي يمارسها جمع من العاطلين عن العمل والعاطلين عن التفكير والعاجزين عن الحب والتائهين عن القيم والفارغين من الأخلاق.

نعيش حالة فصام ندري بها ولا نأبه لها وهذه هي الحماقة فلا تحدثوني عن الديمقراطية بالله عليكم فقد كفرتُ بها برغم حبي لجحا وفكاهاته.

كانت ليلة ليلاء تلك التي قضيتها بعد تفجّر القلب من شدة اثقاله الديمقراطية وبتُّ أفكر في ما جرى ويجري وأهدرت ملايين أخرى من خلاياي المخية الثمينة وجدتي تصيح وتحذّر «احرصي على خلايا دماغكِ فلن تنفعكِ خلايا غيركِ أبداً فمهما كثرت عندهم هي واحدة بليدة ومكررة ملايين المرات». وخطر على بالي كلام الكثير وحديثهم المضجر بأننا مظلمون، فالأغراب طمعوا في بلادنا وهم المسؤولون عن البلاهة التي نعيشها وهم المرّوجون للتفاهة التي نعايشها، ولكنني أتلفت للواقع، فماذا أرى غير العكاز؟!.

كانت جدتي ذات الرأي الثاقب والبصيرة النافذة قد أبصرت وأغرقتني بإجابة واحدة من ألف عام ونيف.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات