ركن العامرية .. مالك الشهادات الراكن للجهالات

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

تفرض الدولة القمعية هيمنتها على الإنسان، وهي على الأغلب أشد وطأة على الرجل منها على المرأة لأسباب من أهمها، احتكاك الرجل المباشر بمسرح الأحداث اليومية السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية وغيرها.

وكما أشارالكاتب مصطفى حجازي في كتابه التخلف الاجتماعي، فقد يقوم الرجل بإسقاط صنوف قهره ومعاناته على المرأة، ربما لحمايتها أو على الأرجح لتعويض نفسي، مستغلاً محدودية معرفتها وقلة خبرتها بالعالم الخارجي.

وكوسيلة دفاعية وربما عن لا وعي منها قد تُسقط هي الأخرى غبنها على أطفالها، فيكون حبها لهم استحواذي النزعة تفرض به تسلّطها عليهم، حتى قد يخيل لها امتلاكهم مع أنها وهم، وبطريقة ما، ملك للزوج والذي بدوره وما يملك ملك للسلطة القهرية والتي هي الأخرى مملوكة لقوى قد تكون خارجية. فالكل مملوك في نهاية الأمر وأوله!.

ولأن المرأة دائماً راعية الموروث حتى وإن كان تعسفياً تجاهها، فهي تنشيء الطفل على التشبث به منتجة بذلك إنساناً يندر أن يمتلك القدرة على الاستقلالية الذاتية، وهكذا وعبر تحالف غير معلن تكون الأم أداة أخرى من أدوات السلطة المستبدة لزرع وترسيخ روح التبعية في الفرد.

وبحجة التربية القويمة، ينمو الطفل وسط جو مغلف بالحب في ظاهره حامل للغبن في طياته، حيث يقوم الوالدان بتلقينه في الشاردة والواردة بلا خيار أو اختيار، وهكذا تُشل منذ البداية القدرات الذهنية الابتكارية والإبداعية له، لتحل محلها عقلية المتلقي بدون احتجاج الحافظ بلا استيعاب.

التعليم الذي نريد هو الهادف لبناء إنسان لا الهادم له ذلك الذي يؤسس لبناء فكر نقدي جدلي وتحليلي

وعلى بساط الطاعة المطلقة الممهدة يأتي دور المعلم المحدود الأفق والآفاق ليكمل ما بدأه الأهل والخلّان. ولتأصيل روح الاتكالية يجهد نفسه، بتفان محمود في ظاهره ممقوت في جوهره، في زرع صنوف الغيبيات والخرافات بكل أشكالها في ذهن الصغير، مستخدماً في ذلك أنواعا شتى من العنف النفسي وقد يكون العنف الجسدي في كثير من الأحايين وسيلة (تعليمية) هامة جداً.

هذا بالإضافة إلى خارقة التعليم الديني، ففي الكتاتيب ومنصات العظات وتقال أمور قد يكون الحديث فيها مخجلاً للغاية، كاعتماده في عمومه على الفكر الواحد والحل الأوحد والرأي الوحيد ليتكون عند الفرد فكر استعبادي واستبعادي للآخر المخالف والمختلف. وبهذا فكلما ازدادت قدرة الطفل على الحفظ والترديد كلما كان للتفوق أقرب!.

وبالرغم من إحساس المهانة والاستصغار الكامن في نفس الفرد جراء استمرار واستمراء تعليم تلقيني، فقد ينمو شعور تضخيمي للذات جراء التسلح بمعتقدات ماضوية بما تحتويه من قليل صدق وكثير زيف، وما ذلك إلا محاولة خائبة على الأرجح للتعايش مع مشكلات واقع لا قدرة له لمعالجتها.

وبهذا يكون المتعلم حاملاً للألقاب بفضل حمله الشهادات وراكناً للجهالات بعدم فهمه وقلة نباهته تجاه حركة التاريخ، وما تحمله صحائفه من أساطير وترهات.

وهكذا دواليك يتم إنتاج وإعادة إنتاج الفرد الفاقد لروح الحرية الفردية ومراجعة الذات ومحاسبتها، فهو يعيش حالة من اليتم الثقافي شديدة الوطأة فقد يقدم المتعلم كل شيء في مجال تخصصه الضيق جداً، وينعدم عنه كل شيء تقريباً حال خروجه منه إلى بهو الحياة الوسيع، فلا يفكر إلا بمنطق النقص والعجز ولا ينطق إلا بصوت الوهن والاتكالية. هو في الحقيقة المتشبع بزينة العلم الظاهرة حتى ما أبقت مكانا لزينة الفكرالباطنة.

التعليم الذي نريد هو الهادف لبناء إنسان لا الهادم له. ذلك الذي يؤسس لبناء فكر نقدي جدلي وتحليلي، الذي يمكّن الفرد من تفكيك وربط الأمور واستخلاص النتائج، وحل المشكلات مع التركيز على أهمية العمل الجماعي وكذا المبادرة الفردية.

كل ذلك وأكثر، من شأنه إنتاج إنسان كما أراد خالقه صاحب عقل ديناميكي متغير ومشكك كثير السؤال، والتساؤل في سعي دؤوب للفهم والإدراك لبناء الحياة لا إشاعة الموت وبالتالي يستحق وعن جدارة أن يكون خليفة الله على الأرض، أما الاكتفاء بعبادة ظل الله على الأرض لمئات خلت من السنين ومئات أخريات قادمات فلن تنتج إلا كائنا نهما لا يشبع أبداً من التهام الحياة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات