كُنتُ في بيروت، كُنتُ في بنغازي!

أحمد الفيتوري |
أحمد الفيتوري

بنغازي في "شارع الحمراء"!
لم تكن بيروت الحرب الأهلية التي دامت لأكثر من عقد ونصف، قُتل مئات الآلاف وجُرح أكثر وهُجر الأكثر، دُمرت آلاف المباني وأُزيلت أحياء وشوارع، لم تكن تلكم بيروت التي الساعة لم تتمكن من انتخاب رئيس للدولة منذ ما يقارب العامين، بيروت التي كانت تقتلُ على الهوية بيروت تلك ذهبت ونهضت "السنيورة" الجميلة التي تتمخطر في الشوارع أزهى وأبهى وإن كانت في الحلق غصة "الربيع العربي" الذي في موجاته يطالُ الجميع.

كنتُ في بيروت أبحثُ عما شاهدتُ عبر الشاشات من آثار الحرب الأهلية فلم ألقها، كانت عيناي مُغطاتين ببيوت أبي وأخوتي وأبناء عمي وأخوالي في حي" الصابري" ببنغازي الساعة مُهدمة وقد هُتكت واستبيحت من الفاشية المحلية الثانية لبلادي، بحثتُ في بيروت عن بيروت التي أعرف زمن حربها الأهلية فلم أجدها إلا في الصور، ساحة الشهداء الصور توضحها كيف أمست زمن الحرب هلاكاً وركاماً وكيف أصبحت الآن زاهية، ولدت كأن لم تزدهر بالخراب، بيروت الآن رغم أنها تحت رمية حجر من دمشق بيروت تزدهر بالحياة.

كُنتُ في بيروت لأشارك بورقة بحثية عنونتها بـ"ليبيا في مهب الربيع العربي"، الورقة ترصدُ هذا المهب الساخن ما يبثُ العجاج ويجعلُ للخرابِ وللفساد الأبهة والسيادة، وأخذت أترصد فعل الحرب المماثلة على بيروت فما وجدته، كأنما ما ساد في بيروت من فعل" محاريث الموت" هو سماد مواجهتها الساعة لصرير ريح ربيع دمشق.

لقد مررتُ في الشوارع وبـ" شارع الحمراء" بالذات وبمسارحهِ لأشاهد الحياة التي دفعت الثمن غاليا، في "مسرح المدينة" استنهاض لذكرى المسرحي السوري" سعد الله ونوس" وكأنما بيروت تذكرُ دمشق بالإبداع فيها كي تُبدع نفسها مرة ثانية.

أسوحُ في المدينة والمونولوج عبارة عن ديالوج بين مدينتين "بنغازي" الساعة و"بيروت" الأمس، وبانوراما المشهد الحرب، هذا المشترك فيما مضى جعلني أتساءل: ألم تمر مدينتي" بنغازي" بالحرب قبل وأي حرب؟ حرب جيوش دول كبرى، رصدها القاص والمُفكر الليبي عبد الله القويري في قصة "سلم وليدها"- على ما أذكر- لطفل بأسمال بالية يمدُ اليد متسولا ثم وإذا بذاك الطفل التلميذ المُجد من رصدهُ نقولا زيادة في رسائله لزوجته.

في شوارع بنغازي عقب الحرب أساتذة الجامعة: يمشى مُتأبطا المعرفة عبد الرحمن بدوي من مصر، فاخر عقل من لبنان وباقر سماكه من العراق، سمير عطا الله تحت إبطهِ جريدة الحقيقة، يوسف الشريف يكتب قصته، خليفة التليسي يشرحُ شاعر الوطن، الصادق النيهوم وخليفة الفاخري في جدل حول المُفردات، أحمد الحريري متأبطا منديله الوردي، يوسف القويري مُفكرة رجل لم يولد، بنغازي هذه كانت القرين في بيروت التي تزهو الساعة بنهوضِها من حروب جمة كصبية تتظاهر ضد من "فاحت زبالتهم" ممن هم ضد الحياة، من هم في مهب الربيع العربي يعمهون في غيهم، ولن يأويهم جبل من موجات هذا الربيع العتي، ما جاء يسعى لاكتساح كُل عُتل زنيم.

درنة في الجامعة الأمريكية!
على هامش الورشة التقيت الأستاذ طارق متري المندوب السامي الأسبق للأمُم المتحدة في ليبيا، مازال مهجوساً بليبيا ومازالت شاغله الدائم كما رأيت وسمعت أيضا من العاملين معه، ويرى الآن وكما وضح سابقا في كتابه "مسالك وعرة – الطبعة الاولى 2015- رياض الريس للكتب والنشر- بيروت- لبنان": أنه قضى سنتين في مهمته تحت إلحاح- لم يستسِغه- من الليبيين على تقصير المجتمع الدولي تجاه ليبيا وأنه لم يُنهِ مهمتهُ فيها كما يجب.

وهذا الاعتقاد الراسخ عنده جعله يوضح لي إن "ليبيا بلاد الفرص الضائعة"، وكما ضيع القذافي عن البلاد عقوداً ضاعت فرص كثيرة ما بعد فبراير، وتساءل عن مالآت البلاد الآن وقد غدت هناك حكومة وطنية هل ستضيع هذه الفرصة أيضا؟
وكنتُ في المتن لم أقرأ الورقة التي تجاوزت 7000 كلمة، وفضلتُ الحديث عن نموذج يختزل الحال الليبي الراهن، واتخذت من درنة النموذج، درنة المدينة التي كانت أول "إمارة" للقاعدة تُعلن في الشمال الأفريقي أثناء الربيع العربي، وحاولت أن أكون صحفيا استقصائيا يعتمد ما رأى وما سمع، درنة مدينة نموذج فقد تم اختطافُها من الساعات الأولى حين انشغل الجميع بالفيء، كانت درنة الفيء الذي غنمهُ "الإسلام المتطرف" دون حس ولا خبر، بل إن إعلان الإمارة عبر محطة الجزيرة وتبني القذافي لذا الإعلان ساعة بثه لم يبحث كما لم يُلتفت إليه، وهذه المدينة الساعة ما يظهرُ منها كما جبل الثلج، فالظاهر إما أنه يُخفي وإما أنه يُجلي ما لم نفهم بعد؟.

ليبيا في مهب الربيع العربي
تحتفل بيروت بالعام المئة والخمسين لتأسيس الجامعة الأمريكية( 1866- 2016) ، و"الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية" تقيم "ورشة جدول أعمال: التطورات السياسية في البلدان العربية منذ عام 2011" وذلك بالتعاون مع" معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية" برئاسة السيد طارق متري، هذه الورشة أقيمت بين يومي 17 و18 مارس 2016 بالجامعة الأمريكية وشارك فيها عدد من البُحاث العرب المُختصين والصحفيين والكُتاب، وتم في الجلسة الأولى بحث "تأثيرات الانقسامات المجتمعة في المنطقة" أدارتها ديمة ونوس وتناول البحث في الإطار المفاهيمي الأستاذ سمير فرنجية ، وفي حالة سوريا الأستاذ فؤاد فؤاد وحالة اليمن الأستاذ عادل الشرجبي وحالة ليبيا أحمد الفيتوري.

وفي الجلسة الثانية بحث "دور الجيش والقوى العسكرية" وقُدمت أوراق في حالة تونس قدمها الأستاذ أحمد كرعود وحالة مصر الأستاذ فؤاد السعيد. وفي الجلسة الثالثة تم البحث في" دور قوى الإسلام السياسي وانعكاسه على القوى المدنية" وقد أدار الجلسة الأستاذ سليمان الصويص وقدم الأستاذ محمد الحاج سالم بحثا في الإطار المفاهيمي وبحث عبد العزيز قراقي في حالة المغرب أما الأستاذ حازم الأمين فبحث حالتي سوريا والعراق.

الجلسة الأخيرة كانت بحثا في الخُلاصات ونقاشا فيما حوصلته الأوراق البحثية المقدمة، وقد قام بذلك الأستاذ حسن كريم.

وفي الختام سيتم طبع الأوراق في كتاب يصدر الصيف القادم باللغتين العربية والإنجليزية، وكانت الشبكة أصدرت كتابا مُماثلا: "الربيع العربي- ثورة الخلاص من الاستبداد- دراسة حالات"، في 500 صفحة من الحجم الكبير.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات