ازدهار تجارة التجزئة في ليبيا رغم مظاهر عدم الاستقرار

|
أبراج ذات العماد أحد معالم طرابلس الاقتصادية (photo: )
أبراج ذات العماد أحد معالم طرابلس الاقتصادية

بعد الانتهاء من تناول المُقبّلات والكباب في المطعم اللبناني، يمكنك أن تمر بمحلات "ديبنهامز" الراقية، أو تسير أبعد من ذلك لتشاهد التخفيضات التي تعرضها محلات "ماركس آند سبنسر" العالمية، أو حتى تأكل مانجو قبل أن تقرر تناول القهوة والمخبوزات لدى "سينابون".

هذا المشهد يسهل تخيُّله في أحد مجمعات دبي للتسوق، إلا أن ما سبق يحدث بالفعل في أحد الشوارع الراقية بغرب طرابلس في ليبيا التي تشهد ازدهارًا غير مسبوق في عمليات البيع، على الرغم من صراعات الميليشيات وعدم الاستقرار هناك، على حد وصف تقرير فاينانشيال تايمز البريطانية.

وتلحظ الصحيفة في تقريرها أن ازدياد المحال والمشاريع الصغيرة تصاحبه قفزة في أعمال البناء في أنحاء البلاد، حتى في بعض المناطق التي تعد هي الأكثر فقرًا وإهمالاً، بسبب الزيادة في رواتب القطاع العام، بالإضافة إلى أربعين عامًا من الطلب على البضائع والأسماء التجارية الغربية، والذي لم تتم تلبيته. ومثلما يقول أحد الموظفين بشركة عالمية، عبدول اليازجي، فإنهم في البلد يريدون وجود مجمعات تجارية وأماكن لقضاء الوقت فيها ليلاً، ومطاعم مثل برغر كينج وبيتزا هت وماكدونالدز.

قوانين القذافي
ينقل التقرير تساؤل الكثيرين حول إمكانية استمرار إحياء المشروعات الصغيرة مع معاناة ليبيا من مشاكل ضخمة في الاقتصاد الكلي، يفاقمها حصار المنشآت النفطية، والذي تُحرّكه أسباب سياسية، مع كون النفط هو حبل النجاة لاقتصاد البلاد. وتبقى كثير من قوانين عهد القذافي والعوائق البيروقراطية مكانها لتُقلق مَن يفكر في القيام باستثمارات حقيقية، على الرغم من أن سقوط نظام القذافي عام 2011 بشّر بقدوم فترة من الرأسمالية غير المقيّدة. ويقول أحد الدبلوماسيين الغربيين بطرابلس: "إنه يوجد عبء ضخم من أيام القذافي، ويواجه الكثير من رجال الأعمال والحكومات صعوبات في تحصيل مقابل ما قاموا به من أعمال".

وبحسب تقرير فاينانشيال تايمز، لا تزال المشروعات الخاصة والاستثمارات الحكومية ذات النطاق الواسع، والتي باستطاعتها توفير فرص عمل شحيحة. وتوظّف كثيرٌ من الشركات الجديدة معظم طواقم عملها من الأجانب.

شكاوى أصحاب العمل
يرى الليبيون أنفسهم في بعض الأحوال أفضل من أن يعملوا في القطاع الخدمي، في حين تشكو الشركات من أخلاقيات عملهم. ويقول مالك أحد المطاعم، محمد طالب، الكندي الليبي: "إن العاملين الليبيين يريدون أن يتقاضوا أجرًا من دون عمل، وعندما تحتاج لأي عمل تقني أو في مجال التصميم فيجب اللجوء للأجانب للقيام به، وعندما يحتاج لطباخين أو عمال فإنه يجلبهم من بلاد معينة.

ويتّسبب اعتماد معظم أعمال المشروعات الجديدة على بيع المنتجات المستوردة في خروج العملة الأجنبية خارج البلاد. وسببُ ذلك هو الزيادة الكبيرة في رواتب القطاع العام، ووجود عشرات المئات من رجال الميليشيات على جدول رواتب الحكومة التي توظّف ربع الليبيين.

ويلاحظ الاقتصادي بجامعة سبها، أبوزوم اللافي، افتتاح الكثير من المحال الصغيرة والمشروعات المتناهية الصغر منذ الثورة. ويضيف: "أما عن المستقبل، فلم نلحظ حدوث أي تطوُّرات أو استثمارات بعد قيام الثورة، بل توقفت بعض المشروعات الكبرى"، حسبما تنقل عنه "فايننشال تايمز". ويرى اللافي أن ميل من يملكون الأموال لافتتاح محلات لن يكون أمرًا مستدامًا.

وتتعالى الانتقادات للحكومة الليبية باستغلال الأموال في غير ما يحتاجه الناس من حكم جيد وحقوق وسيادة للقانون.

ويقول الجيولوجي، محمد عاجي هلال إنه يفضل وجود رؤية اقتصادية استراتيجية بدلاً عن زيادة الرواتب؛ حيث لا يوجد أية تخطيط للبنية التحتية أو تراخيص أو تحكم بالجودة. وبعيدًا عن هذه الانتقادات فإن الليبيين بالفعل يتلذّذون بطوفان المنتجات والخدمات والأسماء التجارية الذي انتشر أخيرًا ببلدهم الذي ظل معزولاً لفترة طويلة. فمحليًا يمكنك أنْ ترى ارتفاع نسبة سفر وشراء وبناء الليبيين بطريقة ملحوظة.

زيادة المسوِّقين للمنتجات والخدمات الدولية
يقول أحد المسؤولين بشركة للنفط: "إن ريادة الأعمال بدأت بالفعل في ليبيا؛ حيث زادت نسبة المسوَّقين للمنتجات والخدمات الدولية محليًا في ليبيا، مثل مواد التشحيم الصناعية والمدارس الدولية الخاصة، وهو ما كان مستحيلاً تحت حكم القذافي". ويقول مقاول البناء عبدالله عمر: "إن الليبيين يستخدمون ارتفاع الرواتب للقيام بإصلاحات بمنازلهم التي أجلوها منذ فترة طويلة"، وقال إن دخله كمقاول زاد من 200 دولار شهريًا قبل الثورة إلى معدل 700 إلى 1400 دولار.

وازدهرت المطاعم الجديدة بصورة كبيرة، خاصة تلك التي أنشأها الأتراك والسوريون، حتى في المدن البعيدة، مثل سبها ودرنة التي أصبح تناول الطعام التركي فيها أساس الحياة الليلية هناك. ويقول رئيس تحرير جريدة ليبيا هيرالد سامي الزابطية: "إن الأتراك قريبون من ثقافتنا، ويستطيعون التعامل مع الأخطار بصورة أكبر من رجال الأعمال الآخرين، وهم مرحب بهم هنا".

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات