الصحافة في ليبيا بين الفوضى وخطاب التحريض

القاهرة - بوابة الوسط |
صحفيون في منطقة اشتباكات (أرشيفية: الإنترنت) (photo: )
صحفيون في منطقة اشتباكات (أرشيفية: الإنترنت)

باستثناء الأشهر التسعة الأولى من العام 2012، عانت مهنة «البحث عن المتاعب» وممتهنوها خلال السنوات الخمس الماضية عمليات تضييق متصاعدة وممنهجة، وبات الصحفيون يئنون تحت تهديد حراب البنادق، وطالتهم عمليات الاغتيال والخطف والتغييب القسري، مما أجبر الكثير منهم على الانسحاب من المشهد، ووجد آخرون ضالتهم في الصحافة المهاجرة على خطى سبعينات القرن الماضي، فيما ارتضت قلة ركوب الموجة مهما كانت الرياح والتيارات التي تدفعها.

وعلى خلفية صدور التقرير السنوي لمنظمة مراسلون بلا حدود حول التصنيف العالمي لحرية الصحافة مطلع مايو 2016، الذي تذيلت فيه ليبيا قائمة التصنيف، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، والنوافذ والمواقع الإلكترونية الليبية، حينما تطوع المختصون للتنديد بقمع الصحفيين الليبيين، وحبسهم واغتيالهم، وإشاعة ثقافة الرأي واللون الواحد.

ووجد أكثرية المغردين في هذا التقرير مناسبة للتذكير برجال الصحافة، الذين طالتهم أيادي الغدر، وآلة القتل الإرهابية، سياسية كانت أم مؤدلجة، غير أن هذه «الفزاعة» لم تدم سوى بضعة أيام، وطغت على معظم ردود الفعل خلالها، برقيات التعاطف والتعازي لأسر الضحايا والمخطوفين قبل أن تذوب في المشهد الليبي المتأزم.

تحريض مستمر
وجاء في طليعة تلك التغريدات، ما قاله أحد الصحفيين عبر حسابه، حينما أشار إلى أن «التحريض ضد الصحافة الليبية مستمر عبر قنوات تعبر عن جهات معروفة، وأن هذه الجهات يجب أن تتحمّل المسؤولية القانونية عن أي أذى يلحق بالصحافة والصحفيين، لا سيما أنه تحريض موثق بين أيدي المنظمات المعنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان».

الحكومات المتعاقبة اكتفت بإنشاء مكاتب تصدر بيانات «معلبة» ومغلوطة

على الصعيد ذاته قال الصحفي محمد الرحيبي إن وسائل الإعلام الليبية في الداخل موجودة كعنوان فقط على ورق باهت، ولا تقوم بأي دور عدا نقل بيانات الجهات المسيطرة على الأرض دون أي تحليل وتفتقر للاحترافية، وإن العاملين فيها مجرد موظفين يتقاضون مرتبات إن وجدت.

مواكبة الحريات
فيما أكد (علي أ م)، الذي يعمل بوكالة الأنباء الليبية منذ 20 عامًا، وطلب عدم الكشف عن هويته، أن المؤسسة التي يعمل بها غير مدرجة على قائمة عالم الصحافة، وأنها لم تعرف طريقًا للتطور ومواكبة الحريات. وأضاف أنه لا يمكن وصف العاملين في وكالة الأنباء الليبية بالصحفيين، لأنهم يفتقرون للمهنية ولم يستثن نفسه من ذلك، وتساءل: كيف يمكن لوكالة أنباء أن تعمل اليوم في فضاء ثورة المعلومات والاتصالات والثورة الرقمية عمومًا، وما يسمى بقاعة التحرير فيها لا تتوفر على اتصال بشبكة المعلومات الدولية «الإنترنت»، فضلاً عن أن معداتها تعود إلى الألفية الماضية في الوقت الذي لا تهتم فيه إدارتها إلا بشراء «فرش أرضي للممرات».

ولم تول الحكومات المتعاقبة منذ العام 2011 أي اهتمام بوسائل الإعلام المحلية، لكنها اكتفت فقط بإنشاء مكاتب إعلامية وصفحات فيسبوكية باهتة تقوم بإصدار بيانات «معلبة» ومغلوطة في معظم الأحيان، ليقتصر دورها على رصد زيارات المسؤولين، كما أنها صفحات لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون فاعلاً مؤثرًا في الرأي العـام المحلي وفي المشهد الإعلامي الليبي بشكل عام.

تهميش القضايا
وأسهمت هذه السياسة برأي المراقبين في تهميش قضايا المجتمع الأساسية، ومنها قضايا التعليم والصحة والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية والطاقة والبنى التحتية وقضايا الفساد المالي والإداري وحقوق الإنسان، فضلاً عن غياب التنوع، مما ترتب عليه هيمنة الفوضى على المشهد الليبي إعلام مؤدلج يحرض على الفتنة والقتل والدمار.

في الوقت نفسه أكد الأستاذ الجامعي عمر أبوالقاسم أن «المتنفذين الجدد بكل أطيافهم عملوا منذ سيطرتهم على المشهد الليبي على إشاعة ثقافة التخندق الأيديولوجي، وحاربوا منذ البداية فكرة ولادة إعلام يدعم مسيرة الانتقال الديمقراطي، ويواكب التطور السريع للعلوم والمعارف والتكنولوجيا في إطار المتغيرات الدولية والثورة التواصلية الرقمية، التي تجعل من الإعلام إحدى الركائز المؤثرة في تغيير المجتمعات».

تكميم الأفواه
ويضيف الأستاذ الجامعي: «رأينا كيف تمت عملية تكميم الأفواه وتهديد الصحفيين والإعلاميين واستهدافهم بالاغتيال والخطف والابتزاز، حتى وصلنا في العام 2014، بعد ما عرف بانقلاب المؤتمر الوطني العام، إلى إعلام مؤدلج، أسهم إلى حد كبير في إثارة الفتنة وقمع الحريات ودمار البلاد».

هيمنة الفوضى وإعلام مؤدلج يحرض على الفتنة والقتل والدمار

غير أن المهتمين بالشأن الليبي يعتقدون أن كثيرًا من الصحفيين الليبيين ليسوا بعيدين عن الحالة المتردية لوضع الصحافة الليبية، خاصة أولئك الذين عملوا على إشاعة الفتن والتحريض على العنف والتآمر، لتفكيك النسيج الاجتماعي الليبي، والترويج لقوى إقليمية ودولية لها أجندات خاصة ومطامع في ليبيا.

وقال إبراهيم صالح المعداني (49 عامًا، مهندس اتصالات وتقنيات حاسوب): «سبق وتعاونا مع مؤسسات إعلامية ليبية، ولاحظنا أن جل الصحفيين الذين عرفناهم فضلوا الانسحاب من المشهد لأي سبب من الأسباب، مما خلق فراغًا ملأه أشخاص لا علاقة لهم بهذا المجال».

مندوبو أخبار
وأضاف المعداني في هذا الصدد: «يوجد أشخاص لا أريد أن أسميهم، يعرفهم الجميع ويعرفون أنفسهم، كانوا حتى العام 2011 مندوبي أخبار مبتدئين، وفنيي إبراق ومساعدي مخرجين، رأيتهم يحتلون مناصب رؤساء تحرير ومديرين عامين لمؤسسات إعلامية، ومديري مكاتب إعلامية في رئاسة الوزراء ومختلف الوزارات». وأكد أن هؤلاء أجرموا في حق الشعب الليبي بقدر جرائم أفراد الميليشيات المسلحة الذين سفكوا الدماء الليبية، لكونهم تعمدوا تضليل الرأي العام.

ويرى المراقبون أن استمرار هذا الأداء العبثي، وغير الاحترافي للمؤسسات الصحفية الليبية الحالية، أضحى أمرًا خطيرًا ومقلقًا، لا يقل خطورة عن انتشار السلاح بطول البلاد وعرضها، ويتعين على الصحفيين الليبيين جميعًا تحمل مسؤولياتهم في هذا المنعطف الخطير من تاريخ ليبيا، وكذلك الدولة بات عليها هي الأخرى احترام إمكانات شعبها، وذلك لن يكون إلا بعودة الأقلام التي اختارت قسرًا الموت السريري من حالة الصدمة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات