ما هي تكاليف الطلاق بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي؟

القاهرة - بوابة الوسط: هبة هشام |
رئيسة الوزراء البريطانية الثلاثاء تيريزا ماي (الإنترنت) (photo: )
رئيسة الوزراء البريطانية الثلاثاء تيريزا ماي (الإنترنت)

صادقت الملكة إليزابيث الثانية على قانون أقره مجلس اللوردات البريطاني، الاثنين، يسمح للحكومة بالشروع في إجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي، لتبدأ المملكة المتحدة على الفور إبلاغ بروكسل بخطة «بريكست». هذا عن الإجراءات لكن ماذا عن التداعيات والتكاليف الاقتصادية لعملية «الطلاق» بين لندن وبروكسل؟

على الجانب البريطاني، قدمت المفوضية الأوروبية مقترحًا يقضي بإلزام بريطانيا دفع 60 مليار يورو كي يتم انفصالها بالكامل عن الاتحاد، وهو مقترح حظي بتأييد معظم دول الاتحاد خصوصًا ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، وفق ما ذكره كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي بشأن «بريكست» ميشال بارنييه في تصريحات إلى جريدة «ذا تايمز» البريطانية.

«بريكست» تهدد بخسارة نصف مليار جنيه إسترليني في مشروعات البنية التحتية، و200 ألف وظيفة عمل

يقول بارنييه إن المقترح أيدته «معظم دول الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها ألمانيا وإيطاليا وفرنسا. تلك الأموال سيتم وضعها لصالح صناديق وبرامج الاتحاد الأوروبي، وسيتم تمكين بريطانيا من تسديد تلك الفاتورة على أقساط حتى العام 2023».

ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ قدر تقرير أجراه «المعهد الملكي للمساحين القانونيين» البريطاني خسائر «بريكست» بنحو نصف مليار جنيه إسترليني في مشروعات البنية التحتية، وخسارة نحو 200 ألف عامل في مجال العقارات والإنشاءات وظائفهم، نتيجة خروج بريطانيا من السوق الموحدة الأوروبية. ويعمل 176 ألف عامل من أصحاب الجنسيات الأوروبية في مجال الإنشاءات ببريطانيا، وهم يمثلون 8% من إجمالي العاملين بالقطاع.

مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (الإنترنت)

مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (الإنترنت)

وقال رئيس «المعهد الملكي للمساحين القانونيين» جيرمي بلاكبرن إن سوق العقارات والإنشاءات البريطاني يعتمد بشكل كبير على آلاف العمال الأوروبيين، موضحاً أن الخروج من السوق الأوروبية الموحدة يهدد بتوقف مشاريع البنية التحتية في بريطانيا، التي تصل قيمتها إلى 500 مليار جنيه إسترليني، وفق ما نقلت جريدة «ذي إندبندنت» البريطانية.

وأضاف أنه «إذا فقدت بريطانيا إمكانية دخولها إلى السوق الموحدة دون وضع خطط بديلة، لن تستطيع الدولة إتمام المشاريع المطلوبة ولن تستطيع أن تنافس على المستوى الدولي».

الغرفة التجارية تخفض توقعاتها لنمو إجمالي الناتج المحلي من 1.4% إلى 1.3%

وتراجعت معدلات التوظيف في القطاع الخاص إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاث سنوات، نتيجة تراجع ثقة المستثمرين في السوق البريطانية. وأظهرت استطلاعات للرأي أن معظم الشركات البريطانية تعتزم إبقاء أعداد موظفيها عند المستوى الحالي حتى منتصف العام 2017.

وأعربت عدة قطاعات مثل الصحة والتكنولوجيا والزراعة والعقارات عن تخوفها من أن تواجه صعوبات في توظيف العمالة المطلوبة في حال تم فرض قيود على الهجرة عقب «بريكست».

وعكست توقعات غرف التجارة البريطانية القلق نحو مستقبل الاقتصاد البريطاني عقب «بريكست»، إذ توقعت وصول معدلات النمو إلى 1.4%، وهي أقل بكثير من التوقعات التي أعلنها مصرف إنجلترا في وقت سابق، وتوقعت توسع الاقتصاد البريطاني بوتيرة ضعيفة على المدى القريب. وخفضت أيضاً توقعاتها لنمو إجمالي الناتج المحلي من 1.4% إلى 1.3%، وتوقعت أن تصل معدلات التضخم إلى 2.4%، وإلى 2.7% العام 2018.

وكانت العملة البريطانية، الجنيه الإسترليني، أول المتأثرين بقرار مجلس اللوردات البريطاني، إذ تراجعت بشكل حاد أمام اليورو، خلال تعاملات الثلاثاء، واستقرت عند مستوى 1.214 أمام الدولار، و1.139 أمام اليورو، مع توقعات بمزيد من التراجع خلال الفترة المقبلة. وتراجعت العملة البريطانية نحو 18% أمام الدولار، منذ الاستفتاء يونيو الماضي، وفق ما نقلت «ذي إندبندنت» البريطانية.

لكن خسائر «بريكست» الاقتصادية لن تقتصر على بريطانيا وحدها، بل قد تتمد إلى الدول الأوروبية الأخرى، إذ أوضحت وثيقة أسبانية أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يكلف اقتصاد مدريد نحو مليار يورو خسائر في الصادرات، إلى جانب تداعيات أكبر للبريطانيين المتواجدين في بريطانيا، البالغ عددهم 800 ألف بريطاني، والإسبان العاملين في بريطانيا، 300 ألف شخص.

معدلات التوظيف في القطاع الخاص تتراجع إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاث سنوات، لتراجع ثقة المستثمرين في السوق البريطانية

وذكرت الوثقية، نقلت عنها جريدة «ذا غارديان» البريطانية، أن «بريكست» تؤثر بشدة على اقتصاد أسبانيا، وتؤدي إلى تراجع إجمالي الناتج المحلي الإسباني من 2- 4 مليار يورو، وتؤثر على كافة نشاطاتها التجارية والاقتصادية بدءًا من عمليات الصيد حتى حقوق اللاعبين الإسبان في النوادي البريطانية.

وعكست استطلاعات اقتصادية أُجريت قبيل استفتاء يونيو الماضي، نتائج سلبية، منها توقعات بتراجع ثقة المستهلكين في الاقتصاد البريطاني. لكن تباينت توقعات الاقتصاديين حول مستقبل الاقتصاد عقب «بريكست»، إذ تراوحت بين استمرار الزخم الاقتصادي أو معدلات هبوط حادة.

ووضعت جريدة «فاينانشيال تايمز» البريطانية ثلاث سيناريوهات لما سيؤول إليه الاقتصاد البريطاني. أولا تباطؤ النمو الاقتصادي، وفي هذا السيناريو يتوقع اقتصاديون استمرار «التخبط وتباطؤ الاقتصاد، نتيجة ارتفاع التضخم، وتراجع الاستثمارات الاقتصادية، وتباطؤ حركة التجارة مع ضعف العملة البريطانية»، هذا إلى جانب تراجع الزخم الذي صاحب الاقتصاد في 2016 - 2017، مع بداية العام 2018. وتوقعت أيضاً ثبات معدلات البطالة حول مستوى 5%.

وبالنسبة لمعدلات استهلاك والإنفاق، قالت الجريدة إنه «إلى الآن لا يوجد في مفاوضات (بريكست) ما يدعو المواطنين إلى تغيير نهج الإنفاق والاقتراض الخاصة بالمستهلكين». ويقدم هذا السيناريو طرحاً متفائلاً بعض الشيء لمستقبل الاقتصاد البريطاني، مقارنة بالتوقعات التي سادت مباشرة عقب ظهور نتائج الاستطلاع يونيو الماضي.

واعتبر المحلل المالي في مصرف «غولدمان ساكس» أندرو بينيتو تباطؤ النمو الاقتصادي أمراً طبيعياً نظراً لهبوط الجنيه الإسترليني، قائلاً: «أنت تريد من المستهلكين التراجع إذا واجهوا صدمة تجارية تؤثر على دخلهم الخاص».

أما السيناريو الثاني فركز على معدلات الاستهلاك لدى المواطنين داخل بريطانيا، وتوقعت الجريدة البريطانية استمرار نمو معدلات الإنفاق لتتخطى معدلات نمو الدخل، وذلك مع بقاء معدلات الاستهلاك عند المستويات الحالية، وارتفاع معدلات الاقتراض، وتراجع المدخرات.

وفي حال سارت المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بشكل سلس ومربح للطرفين، فإن ذلك يعني زيادة ثقة المستهكلين في الاقتصاد البريطاني. وتوقعت الجريدة أن يؤثر ذلك على معدلات البطالة للتراجع إلى 4.5%، وزيادة المرتبات بمعدلات ثابتة.

وفي هذا الصدد نقلت «فاينانشيال تايمز» عن محافظ بنك إنجلترا مارك كارني توقعاته بمعدلات نمو أقوى، وزيادة الاستثمارات مع ارتفاع معدلات التضخم، وأن يؤدي ذلك إلى ارتفاع معدلات الفائدة. لكن كثير من الاقتصاديين يشككون في إمكانية تحقيق نمو سريع بناء على زيادة الاستهلاك، دون ارتفاع الإنتاجية.

تعاملات في بورصة لندن (الإنترنت)

تعاملات في بورصة لندن (الإنترنت)

وجاء السيناريو الثالث الأكثر تشاؤماً، إذ توقعت الجريدة البريطانية ضعف الإنفاق الحكومي، مع تراجع مستويات الاستهلاك، بسبب ارتفاع أسعار الواردات وتآكل دخول المواطنين.

هذا إلى جانب تراجع التضخم، وتراجع الطلب وارتفاع معدلات البطالة إلى 5%، وتراجع معدلات زيادة الأجور. وتخوف اقتصاديون من تراجع الاستثمارات بشكل حاد عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا الصدد قال مدير مؤسسة «فاثوم» للاستشارات الاقتصادية إريك بريتون: «مع غياب محركات النمو الاقتصادي، التوقعات جميعها ضعيفة ومتشائمة، ولن يملك مصرف إنجلترا أي ذخيرة لمواجهة الانكماش».

السيناريو الأكثر تشاؤمًا: ضعف الإنفاق الحكومي، مع تراجع مستويات الاستهلاك، بسبب ارتفاع أسعار الواردات وتآكل دخول المواطنين.

وتساهم بريطانيا في ميزانية الاتحاد الأوروبي بـ35 مليون جنيه إسترلينى يوميًا. وفي العام 2015، بلغت رسوم العضوية للمملكة المتحدة بأكملها 8.17 مليارات إسترليني.

مساهمة بريطانيا في ميزانية الاتحاد الأوروبي للعام الماضي بلغت أكثر من الميزانية السنوية لوزارة الداخلية البريطانية، التي تقدر بحوالي 9 مليارات جنيه إسترليني سنوياً. وتعود تلك المساهمات المملكة المتحدة في شكل إعانات ومنح، حيث يحصل المزارعون البريطانيون على المال من السياسة الزراعية المشتركة ومختلف مشاريع التنمية الاقتصادية والبحث العلمي الحاصل على تمويل الاتحاد، وفق «ذا تلغراف» البريطانية.

وقالت وزارة الخزانة البريطانية إن إجمالي مدفوعات الاتحاد الأوروبي للشعب البريطاني بلغ 4.4 مليارات جنيه إسترليني العام 2015، فيما بلغت المدفوعات للمؤسسات الخاصة 1.4 مليار جنيه إسترليني العام 2013، وهذا يشير إلى أن بريطانيا تحصل فقط على 6 مليارات جنيه إسترليني تقريباً في السنة من المساهمات.

للاطلاع على العدد 69 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات